رأي

حين يصبح الرُحَّل عماد الدولة يناير والدور الحضاري المنسي للبقّارة والأبّالة

بقلم دكتور انس حميدان  ترجمة دكتور خالد عبيد  لندن 

 

بقلم دكتور انس حميدان 

ترجمة دكتور خالد عبيد 

لندن 

في مطلع هذا الشهر تناولنا أوجه الشبه بين البقّارة والأبّالة وبين طبقة الساموراي في اليابان، من حيث مفاهيم الشرف والانضباط و«قانون المحارب» بوصفه منظومة أخلاقية لا هوساً بالعنف. وقد كان في هذه المقارنة ما يربك تراتبيات مألوفة في كتابة التاريخ، حين وضعت محاربين رُحَّلاً من السودان إلى جانب إحدى أكثر التقاليد القتالية احتراماً في العالم. أمّا هذه المرّة، فتتبدّل زاوية النظر. فبدلاً من طبقة محاربين مستقرّة، نتجه إلى حضارة رُحَّل أخرى، تقدّم علاقتها بالسلطة والحركة والدولة درساً أشد حدّة ووضوحاً: إنهم الرُحَّل المغول.

لا يُستَخدم يناير هنا بوصفه رمزاً عاطفياً للبدايات، بل بوصفه وقفة منظَّمة، لحظة تباطؤ وتأمّل في الكيفية التي جرى بها الاعتراف ببعض المجتمعات باعتبارها قوى حضارية، فيما أُقصيت أخرى خارج الإطار. هذه السلسلة لا تنظر إلى البقّارة والأبّالة بوصفهم جماعات هامشية تتفاعل مع التاريخ من أطرافه، بل باعتبارهم منتجين للنظام الاجتماعي، غُيِّبت مساهماتهم أكثر مما غابت.

نشأ البقّارة والأبّالة في بيئات كان البقاء فيها رهناً بالذكاء والتنسيق وضبط النفس، بقدر ما كان رهناً بالقوة الجسدية. لم تكن الحياة الرُحَّلية فوضى، بل كانت محكومة بإيقاع موسمي، وحركة مدروسة، وتعايش تفاوضي مع الأرض والجوار. ومن داخل هذه البنية تَشكّلت هوية «المحارب» لا كهوس بالصراع، بل كنظام للمسؤولية: حماية الناس والماشية واستمرارية الجماعة، ولا سيما في مناطق كان حضور الدولة فيها ضعيفاً أو غائباً.

وقد انطلق المغول من وضع شديد الشبه. كانوا رعاة رُحَّلاً صاغتهم الندرة والمسافات الشاسعة ومتطلبات البقاء الجماعي. وما ميّزهم تاريخياً لم يكن نزوعاً فطرياً إلى الغزو، بل قدرة استثنائية على التنظيم. ففي ظل جنكيز خان توحّدت العشائر المتفرّقة عبر الانضباط والالتزام المشترك والقيادة القائمة على الجدارة. لم تكن الولاءات رمزية، بل عملية، لأن البقاء ذاته كان يتوقف عليها.

وما يُختَزل في كتب التاريخ في صورة «الوحشية المغولية» يحجب حقيقة أعمق: أن أعظم إنجازاتهم لم يكن التوسّع، بل «الترجمة». لقد ترجموا منطق المجتمع الرُحَّلي إلى وظيفة دولة. فصار الانضباط الذي صيغ في السهوب إدارةً، وصارت الحركة لوجستياتٍ وشبكات اتصال وممرات تجارة تربط القارات. لم تُلغِ الدولة التي أقاموها هويتهم الرُحَّلية، بل قامت بتوسيعها وتحجيمها على مستوى أوسع.

وحتى بعد التراجع والتفكك ومحاولات التحديث القسري، لم تختفِ هذه الوراثة. ففي منغوليا الحديثة ما تزال الثقافة الرُحَّلية حيّة، لا بوصفها فولكلوراً، بل بوصفها أساساً للثقة الوطنية والقدرة على التكيّف. لم يُمحَ الرُحَّل بفعل الحداثة، بل جرى استيعابهم فيها بصيغة متحوّلة.

أما مأزق البقّارة والأبّالة اليوم فليس عجزاً ثقافياً، بل إقصاءً بنيوياً. فلم تُترجَم أنظمتهم التنظيمية إلى مؤسسات حديثة، بل قوبلت بالتهميش والارتياب. وفقدت هوية المحارب، التي كانت مضبوطة بمساءلة اجتماعية، معناها المدني تحت ضغط الصراع الممتد وانهيار الدولة والسرديات الخارجية التي ترى العنف ولا ترى البنية.

ولهذا تصبح مسألة «الانتقال» مركزية. فالسؤال ليس كيف نُهذِّب محاربين رُحَّلاً، بل كيف نعترف بالقدرات التي يمتلكونها أصلاً ونُؤسِّس لها. فالبقّارة والأبّالة يحملون خبرة عميقة في القيادة تحت الضغط، والتفاوض على المجال، وإدارة النزاعات، وتحمل المسؤولية الجماعية. وهذه ليست عوائق أمام الدولة الحديثة، بل هي بالضبط ما تعجز الدول الهشّة عن إنتاجه.

تُظهر التجربة المغولية أن الحداثة لا تتطلب المحو، بل الترجمة. حين تُفهم الحركة باعتبارها ذكاءً لوجستياً لا فوضى، وحين يُنظر إلى انضباط المحارب بوصفه قدرة على الحكم، وحين يُعاد تعريف الشرف باعتباره مسؤولية عامة، تنتقل المجتمعات الرُحَّلية من الهامش إلى قلب الحياة السياسية.

هذا التأمل في يناير ليس حنيناً إلى الماضي، ولا رومَنسةً له، بل محاولة لإعادة التوازن إلى سرد التاريخ وإلى معايير الاعتراف بالقدرة السياسية. فالبقّارة والأبّالة ليسوا بقايا عالم ما قبل حديث، ولا جماعات تنتظر أن يُعاد تشكيلها من الخارج، بل هم حَمَلة تقاليد سياسية عريقة حافظت على النظام والتعاون والمرونة عبر أجيال.

هويتهم السياسية ليست خامدة ولا ناقصة، بل فاعلة وقابلة للتكيّف ومتجذّرة في التجربة المعاشة. وما لم يُحسَم بعد ليس مشروعيتهم ولا كفاءتهم، بل استعداد بنى الدولة الحديثة للاعتراف بأشكال السلطة والتنظيم التي يحملونها والتعامل معها. فعندما يُتعامل مع المجتمعات الرُحَّلية باحترام وفهم، فإنها لا تقف خارج الدولة،

بل تغنيها وتقوّيها وتسهم في تماسكها.

كتب النص الأصلي في نسخته الإنجليزية بقلم الدكتور انس حميدان 

نقله الي العربيه دكتور خالد عبيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!