رأي

هُدنة هرمز: استراحة مُحارب أم إعادة صياغة لقواعد اللعبة في الشرق الأوسط؟

زينب حسن سعيد

 

​ زينب حسن سعيد 

​في تطور دراماتيكي حبس أنفاس العواصم العالمية، وتفاعلت معه شاشات التداول في أسواق الطاقة لحظياً، أطل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بقرار مفاجئ: تعليق العمليات العسكرية ضد إيران لمدة 14 يوماً مقابل الفتح الفوري والآمن لمضيق هرمز.

​للوهلة الأولى، سارعت العناوين الإخبارية للاحتفاء بهذه الخطوة باعتبارها طوق نجاة ينقذ العالم من حرب مدمرة. لكن، وبقراءة استراتيجية متأنية لما وراء هذه العناوين الرنانة، نكتشف أننا لسنا أمام إعلان سلام شامل، بل نحن في قلب “هدنة تكتيكية” فرضتها سياسة حافة الهاوية. إنه اختبار عسير للنوايا في منطقة مثقلة بالصراعات ولم تعد تحتمل رفاهية أنصاف الحلول.

​وهم الـ 14 يوماً: تكتيك حافة الهاوية

​الأسبوعان القادمان ليسا زمناً كافياً لتفكيك عقود من التعقيد الجيوسياسي، بل هما نافذة زمنية ضيقة لالتقاط الأنفاس. واشنطن تبحث عن نصر تكتيكي سريع يؤمن شريان الطاقة العالمي، وطهران تسعى لكسر حلقة الخنق الاقتصادي والتهديد العسكري المباشر. وبين هذين الهدفين المرحليين، يبرز التحدي الأكبر: كيف نمنع تحول هذه الهدنة الهشة إلى استراحة محارب تسبق عاصفة أشد تدميراً؟

​الحفاظ على أمن الشرق الأوسط، ومنع امتداد ألسنة اللهب إلى البحر الأحمر والقرن الإفريقي، يتطلب تحولاً جذرياً في التعاطي الدولي، يرتكز على ثلاثة خطوط حمراء لا تقبل المساومة:

​أولاً: تحييد الممرات المائية. يجب وضع مضيق هرمز تحت مظلة رقابة دولية صارمة. إن أي تلويح بإغلاقه ليس مجرد ورقة ضغط في مفاوضات ثنائية، بل هو “إرهاب اقتصادي” موجه ضد الكوكب بأسره.

​ثانياً: إنهاء الابتزاز النووي. يجب فرض عودة التفتيش الأممي الصارم للمنشآت الإيرانية؛ لمنع استغلال عامل الوقت في بناء “مظلة نووية” تفرض أمراً واقعاً جديداً.

​ثالثاً (وهو الأهم): استئصال أذرع الفوضى. يجب فك الارتباط التام بين الملف النووي ومشروع تصدير الأزمات. فالقنبلة الحقيقية التي تدمر المنطقة ليست في المفاعلات، بل في رعاية ميليشيات الإسلام السياسي التي قوضت أركان دول كبرى كسوريا ولبنان واليمن، وخلقت الفراغ الأمني الذي شكل الحاضنة الأساسية لتنظيمات إرهابية مثل “داعش”.

​دبلوماسية المصالح: تفكيك الغطاء الدولي

​السؤال الجوهري هنا: كيف يمكن إجبار طهران على القبول بهذه الشروط في ظل الغطاء السياسي الذي توفره لها قوى كبرى كروسيا والصين؟

​الجواب يكمن في الانتقال إلى “دبلوماسية المصالح”. يجب على المحيط الإقليمي، بالشراكة مع الاتحاد الأوروبي، بناء تكتل ضغط موحد يضع بكين وموسكو أمام خيار استراتيجي قاطع: إما الشراكة الاقتصادية الآمنة والمستدامة مع دول المنطقة، أو الغرق في مستنقع العزلة لدعم دولة مزعزعة للاستقرار.

​معركة السردية: لغة الأرقام في مواجهة الأيديولوجيا

​لكي ينجح هذا التحرك الدبلوماسي، يجب علينا أولاً خوض “معركة السردية”. من المؤسف أن الخطاب الإعلامي العربي يعاني اليوم من استقطاب حاد وتشتت في الرؤية بين يمين راديكالي وعلمانية مفرطة، مما يفقده البوصلة وقدرته على التأثير الخارجي. في المقابل، يتحرك العقل الأوروبي ببراغماتية باردة لا تبحث إلا عن مصالحها المباشرة: أمن الطاقة، منع موجات الهجرة، ووقف تسلل الإرهاب.

​هذا المنعطف التاريخي يفرض علينا إطلاق حملة إعلامية ودبلوماسية مكثفة وموحدة، تخاطب الغرب بلغة الأرقام والمصالح المشتركة بدلاً من لغة الأيديولوجيا والمظلوميات. رسالتنا للعالم يجب أن تكون حاسمة: المعركة في الشرق الأوسط هي بين “مفهوم الدولة الوطنية” و”ميليشيات الإسلام السياسي”. واستمرار هذه الفوضى لن يقف عند حدودنا؛ بل ستغسل أمواجه سواحل أوروبا عبر ملايين اللاجئين، وستحرق نيرانه استقرار الاقتصاد العالمي.

​الهدنة الحالية هي فرصة ذهبية؛ ليس للركون إلى الهدوء الخادع، بل لحشد جبهة دولية فاعلة قادرة على تحويل وقف إطلاق النار المؤقت إلى استئصال دائم لجذور الأزمة. المنطقة لم تعد تملك ترف الانتظار، والعالم بأسره لا يستطيع تحمل فاتورة الانفجار القادم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!