رأي

بكاء الحركة الإسلامية بعد هبيلا: سقوط الأقنعة وانكشاف الزيف

أحمد موسي

 

أحمد موسي 

لم يكن بكاء وعويل الصفّ الأوّل للحركة الإسلامية، المسيطرة فعليًا على قرار الجيش، عقب معركة هبيلا، فعلًا عاطفيًا معزولًا أو حزنًا إنسانيًا بريئًا، بل جاء اعترافًا سياسيًا فاضحًا بحجم الهزيمة والانكسار. فقد مثّل سقوط معتمد تالودي السابق، أحد أبرز رموز القمع والإرهاب، ضربة قاصمة لمشروعٍ طالما احتمى بالسلاح، وتستّر بالشعارات، وتغذّى على دماء الأبرياء في جنوب كردفان وغيرها من أقاليم السودان.

ولم تتوقف جرائم الهالك عند حدود القتل والقمع الممنهج، بل امتدّ أذاه ليطال البيئة والإنسان معًا، عبر تورّطه في أنشطة تعدين استخدمت مادة السيانيد السامّة، في انتهاكٍ صارخ للقوانين والأعراف البيئية. ذلك الاستخدام الإجرامي لم يدمّر التربة والمياه فحسب، بل وضع حياة المواطنين في تالودي ومحيطها تحت تهديد صحي مباشر، في نموذجٍ فجّ لتحالف السلطة الفاسدة مع الجشع، حيث قُدّمت مصالح النهب على حساب حق الناس في الحياة وبيئة آمنة. من هنا، لم يكن السقوط في هبيلا حادثة عسكرية عابرة، بل خاتمة منطقية لمسارٍ طويل من الإفساد والإجرام.

لقد عرّت معركة هبيلا، بلا مواربة، هشاشة التحالف القائم بين بقايا الحركة الإسلامية وقيادة الجيش، وفضحت زيف “الهيبة” التي جرى تسويقها طويلًا كحقيقة ثابتة، فإذا بها لا تتجاوز كونها فقاعة إعلامية. فعندما احتدم القتال، لم يصمد من تبقّى من الكتائب المتحالفة مع البرهان، بل فرّوا هاربين تحت وقع بسالة قوات «تأسيس»، التي فرضت معادلة ميدانية جديدة، وأعادت تعريف مفهومي المبادرة والسيطرة.

وتكمن المفارقة الكاشفة في أن من يرفعون اليوم رايات البكاء هم أنفسهم من برّروا القتل، وشرعنوا الانتهاكات، وصمتوا عن الجرائم حين كانت تُرتكب بحق المدنيين. بكاؤهم ليس حزنًا على إنسان، بل نواحٌ على مشروعٍ ينهار، وسلطةٍ تتآكل، ونفوذٍ يتفكك أمام حقائق الميدان. لذلك جاء خطابهم الانفعالي، المشبع بالدعاية، محاولة يائسة لاستدرار التعاطف وإعادة تدوير صورة “الضحية”، بعد أن فشلوا في فرض روايتهم بالقوة والسلاح.

وكما هو راسخ في الوعي الجمعي للسودانيين، فإن الفرار عند المعارك ليس من شيم الرجال، ولا من أخلاق من يدّعون البطولة أو الوطنية. هذا المشهد أعاد إلى الأذهان وجدانًا شعبيًا طالما مجّد الصمود لا الهروب، والتضحية لا العويل بعد الهزيمة. فالشعارات لا تصنع نصرًا، والضجيج الإعلامي لا يستطيع حجب حقيقة الانكسار حين تُحسم الوقائع في ساحات القتال.

إن ما بعد هبيلا ليس كما قبلها. فالمعركة لم تُسقط شخصًا بعينه، بل أسقطت منظومة كاملة، وكشفت أن السيطرة على القرار العسكري لا تمنح شرعية، ولا تضمن حسمًا. ومع كل هزيمة جديدة، يضيق هامش المناورة أمام الحركة الإسلامية، وتتعمّق قناعة السودانيين بأن الخلاص لن يأتي من الوجوه ذاتها التي دفعت بالبلاد إلى أتون الحرب والدمار، بل من كسر هذه الحلقة المفرغة، وبناء مشروع وطني حقيقي، قوامه العدالة والمحاسبة، لا الإفلات من العقاب ولا البكاء المتأخر.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!