
خالد فضل
الشهور الأولى من العام 1972م ,يهرول الطفل إلى داخل المكتب مسرعا , هذا دوره قد واتاه , وحظّه الذي انتظره لسنتين ماضيتين قد وافاه , سيدخل المدرسة وهي غاية مبتغاه , لم يك بعيدا عن أجوائها ولا غريبا إلى بيئتها بما تشمل من معلمين وتلاميذ/ات , وكتب ملونة وطين صلصال وألعاب رياضية ومهرجانات واحتفالات ؛ إذ هو ابن الحكيم المدلل بحكم شقاوة الطفولة براءتها وعذوبتها في باكر السنوات . أو هكذا كانت القيم تسود , قبل أن يدهم الناس زمن يعتدي فيه المعلم على طفلة في المدرسة ؛ وهو مدرّس التربية الإسلامية , وأشيع أنّه من عصابات المستنفرين .
أمام لجنة الاختيار لقبول تلاميذ الصف الأول في مدرسة أبي رويشد الإبتدائية المختلطة بغرب المناقل ؛ إذ كانت القيم تحكم حياة الناس فلا يرون عورة في التعليم المختلط في سنواته الباكرة , قبل أن يدهمهم عصر الكيزان منزوع القيم كامل النهم والجشع وسوء النية فينظر إلى طفلة السادسة من السنوات كمتعة جنسية لمدرس (دينهم) الذي لهم ولنا دين . وكان الحكيم (عليه واسع الرحمات) صاحب القرار الفيصل في تقدير الأعمار ؛ والأعمار بيد الله , لكنه مصطلح ما يعرف بالتسنين . وفي قرية فتحت فيها المدرسة قبل بضع سنوات فقط فتأخرت أجيال عن الإلتحاق , منهم من ينتظر وقد تجاوز السابعة , فكان الشرط عدم قبول من هو دونها ولو بشهر واحد حتى تتاح الفرص بالعدل المنشود . لقد كان حظ صاحبكم أن ينقص شهرين عند حلول موعد بدء العام الجديد في شهر يوليو عادة حسب التقويم . فما العمل , وهو متعلق بالمدرسة , تواق لولوجها رسميا بعد أن أمضى رفقة أخته وأخية الأكبران سنة أو تزيد رائح غاد متى شاء دون تقييد بجرس وطابور وتسميع , الوالد الحكيم هو الفيصل بين المتقدمين , ها هو طفله يقف الآن بين يديه وهو يعلم شهادة ميلاده تنقص شهرين , جاء القرار ( لا قبول) تلك قيم النزاهة والصرامة التي سيقرأها الصبي لاحقا في إحدى قصص كتاب المطالعة الإبتدائية بعنوان الواجب قبل القرابة .
لم يدرك الطفل السبب في قرار مفاجئ بعودة الأسرة كلها _عدا الحكيم_ إلى مسقط الرأس ؛ قرية في جنوب الجزيرة كانت قد أسست فيها المدرسة منذ منتصف الأربعينات وصدف أنّ والده نفسه قد تخرّج فيها منذ أكثر من عقدين . لا توجد مشكلة في قبول من ينقص عن السابعة شهرين , وكان أن التحق الطفل محققا حلمه الذي انتظره وهو لا يدري السر وراء هذا التبديل , لكنه سيفهم لاحقا أنّه عندما يعود رفقة والده سيكون قد أتم سبع السنوات , وأنّه سيلحق بالمدرسة بصفة منقول وليس مقبول , وفي ذلك تحقيق لروح القانون دون إخلال , فمن الحقوق المكفولة لموظف الدولة أن ينتقل معه أولاده وزوجه إلى حيث نقل ويواصلوا التعليم أو الوظيفة في حالة الزوجة . لم يتذمر أحد من المواطنين ولم تلحق باللجنة صفة الانحياز ولم ينظر للأمر كمحاباة فالجميع كانوا يثقون في القانون وفي نزاهة اللجان , وتلك قيم سيتابع الفتى كيف أنها انهارت على عهد أدعياء الدين .
منتصف العام 1992م , سيكون الشاب حديث التخرج ؛ والذي استدعي ليعمل كمتعاون في كليته التي فيها تخرج , سيدخل على لجنة المعاينات , يسلّم على الجميع فهم أساتذته الذين تخرّج على يديهم من قليل وهو الآن يعمل رفقتهم ولديه وسطهم مكتب كزميل . عدا شخصين فقط هما المدير والوكيل , كانا قد هبطا على إدارة الجامعة بسياسة التمكين الناشطة آنذاك . وبعد سين وجيم منهما , سأل المدير إن كان لأحد أعضاء اللجنة استفهام ؟ فانبرى العميد ورئيس القسم ليقولا إنّ الجالس أمامكم , خريج معروف شهاداته تقول , فوق أنه الآن زميل مجتهد يسد ثغرة لدينا ويدرس كورسا للطلاب وكادت الفترة على الانتهاء فهو يعد في الإمتحان . هزّ المدير والوكيل الرؤوس , وبابتسامة لم يفهم كنهها إلا بعد حين , طلبا إليه أن يصب كوبا من الشاي يتناوله ثم ينادي على من يليه للدخول , خرج الشاب ونادى على زميله التالي , وما درى أنّ تلك ستكون آخر لحظاته في جامعته التي تخرج فيها وإليها هفا للعمل في التدريس . فقد حدس ما حدس من تنقيب , وإذ بالفتى من المغضوب عليهم وسط تنظيم (الضلاليين) وأنّى له بالتوظيف في دولة التمكين (للصالحين) وإنْ كانوا من الراسبين !!
عشرون عاما بين لجنة القبول في الصف الأول الإبتدائي في مدرسة ريفية قوامها مدرّس وحكيم ومواطن ممثل مجلس الآباء _كما يقال وقتها_ , ولجنة القبول في وظيفة مساعد التدريس في الجامعة يرأسها بروفسور مرموق في طب أمراض النساء والتوليد يسعده خبير في علم الكيمياء وعضويتها نفر من التربويين ؛ تقتضي الأمانة الإعتراف بأنهم كانوا منصفين وفيهم ابن الجنوب المعلم الرشيد وكان للكلية عميد . لكن كان الموقف كفيلا ليعرف الفتى ويفهم كيف أنّ القيم تنهار , والدولة إلى أفول . ويتفهّم أكثر حداء الشارع الثائر (تسقط بس) و (أي كوز ندوسو دوس) حرية سلام وعدالة …




