رأي

قرناص… بوابة الغسيل القذر (الحلقة السابعة)  دال: الرفاهية التي التهمت الاقتصاد – كيف تحوّل أسامة داود إلى «ركيزة» داخل شبكة قرناص؟

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة

من بين العقد المعقدة التي تشكل خريطة النفوذ الاقتصادي في السودان، تبرز عقدة تكاد تُغلق الحلقات حولها من جميع الاتجاهات: شركة دال ورجلها الأقوى أسامة داود. ولأن هذا الملف لا يمكن فصله عن شبكة النفوذ التي عُرفت إعلامياً باسم “شبكة قرناص”، فإن تناول دور دال يصبح ضرورة لفهم الصورة الكلية: كيف أمكن لشركة خاصة أن تتحول، خلال ثلاثة عقود، إلى لاعب يتحرك فوق السوق والدولة معاً، مستندة إلى علاقات متشابكة، وتمويلات دولية، وضمانات سيادية، وموقع احتكاري عزّ نظيره في المنطقة.

المحور الأول: بين دال والإنقاذ… من أفسد من؟

يتخذ السؤال التقليدي حول علاقة رجال الأعمال بالسلطة صيغته البسيطة: هل أفسدت السلطة رأس المال، أم أفسد رأس المال السلطة؟ غير أن حالة دال تقتضي قراءة أعمق. فقد وثق كثيرون أن الرئيس المعزول عمر البشير كان يحرص على زيارة مزارع أسامة داود مع زوجته وداد في ما يشبه “النزهة الرئاسية” بالعيلفون، وهو ما يعكس مستوى من الود الشخصي والاستعداد السياسي لفتح الأبواب.

لكن هذا الود لم يكن في اتجاه واحد. فقد أدرك أسامة داود مبكّراً ضعف الدولة وقدرتها المحدودة على التدقيق، فأظهر لها مسالك الربحية المتاحة، مقدماً نموذجاً اقتصادياً احترافياً أغرى السلطة بترك أبواب التمويل والامتيازات مفتوحة أمامه. وعليه، فإن التأثير المتبادل بين الطرفين لا يبدو علاقة تبعية بسيطة، بل هو تفاعل مصلحي أسهم في توسيع نفوذ الشركة وتراجع رقابة الدولة.

ويُضاف إلى ذلك ما ظهر في بعض المكاتبات الرسمية من خطابات توصية صادرة عن النائب الأول الأسبق علي عثمان محمد طه، موجّهة إلى وكلاء وزارات وهيئات اقتصادية مختلفة، وتهدف إلى تمرير ملفات تجارية ذات صلة بأنشطة أسامة داود وشركاته، في صورة تشير إلى منظومة دعم مؤسسي هادئ ولكنه فعّال، أسهم في إعادة تشكيل علاقة السلطة بالسوق بما يخدم طرفًا واحدًا على حساب قواعد المنافسة الطبيعية.

المحور الثاني: الامتيازات والتمويلات الدولية – كيف تحولت الدولة إلى ضامن لشركة خاصة؟

لم تحصل دال – أو المشاريع التي تتحرك عبر بوابتها – على التمويلات الدولية الضخمة تحت عنوان “الأمن الغذائي” لأنها شركة ناجحة فحسب، بل لأنها نجحت في التموضع داخل إطار يسمح لها بالاستفادة من الضمانات السيادية التي تقدمها حكومة السودان للمؤسسات المالية الدولية.

فقد حصلت، خلال السنوات الأخيرة، على دعم مالي كبير أبرزُه 50 مليون دولار من المؤسسة البريطانية للاستثمار الدولي (BII) في عام 2023 و75 مليون دولار من البنك الإفريقي للتنمية في عام 2020، وهي مبالغ لم تكن لتُصرف لولا وجود ضمان حكومي صريح يجعل الدولة – لا الشركة – هي الطرف الذي يتحمل المخاطر الائتمانية. إضافة إلى شركاء إماراتيين من فئة “الاستثمار السيادي”، قد نظروا إلى دال باعتبارها قناة سريعة ومأمونة لإيصال التمويل إلى سوق غير مستقرة، شريطة أن تبقى الدولة خلفها كضامن مالي كامل.

بهذا الشكل، أصبح السودان نفسه – الدولة الفقيرة المثقلة بالديون – هو الطرف الذي يتحمل المخاطر، فيما تستفيد الشركة من الامتيازات والتمويلات دون أن تتحمل كلفة المخاطرة المرافقة لها، وهو ما يشكل تحولاً بنيوياً في مفهوم التنمية حين تختلط مصلحة الدولة بمصلحة الفاعل الاقتصادي الأقوى.

المحور الثالث: تدمير صغار المنتجين وسلاسل القيمة المحلية

إن التحليل القانوني للأثر الاقتصادي لا يفصل بين “الغاية” و“الأثر”. فعندما بدأت دال بتوسيع نشاطها في صناعة الأعلاف وتصديرها، ارتفعت الأسعار المحلية بشكل حاد، حتى خرج صغار المنتجين من السوق بصورة شبه كاملة. ولم يكن ذلك نتيجة مباشرة لسياسات جائرة، بل نتيجة للاختلال في موازين القوة والقدرة الإنتاجية: شركة تمتلك سلسلة لوجستية ضخمة وشبكة تمويل دولية ومواقع تخزين حديثة، مقابل مزارعين ورعاة يعتمدون على الكفاف والموارد المحلية. النتيجة الطبيعية هي انهيار التنافسية المحلية، وانسحاب آلاف الأسر الريفية من دورة الإنتاج.

المحور الرابع: ضربة الأعلاف… وانسحاب السعودية من السوق السوداني

لم يكن تصدير الأعلاف حدثاً اقتصادياً عادياً، بل كان نقطة تحول في علاقة السودان بأكبر مستورد لثروته الحيوانية: المملكة العربية السعودية. فمع ارتفاع أسعار العلف محلياً وانخفاض جودته نتيجة الضغط على الموردين المحليين، تراجعت قدرة المنتج السوداني على المنافسة. وجدت السعودية نفسها أمام سوق مضطرب لا يوفر الاحتياجات بالجودة المطلوبة، فاتجهت إلى استيراد اللحوم من الصومال وإسبانيا وجورجيا.

هذا الانسحاب لم يكن نتيجة قرار سياسي، بل انعكاس مباشر لخلل اقتصادي نشأ حين تحول العلف – المورد الاستراتيجي – إلى سلعة تصديرية عالية الربح للشركة المهيمنة، دون مراعاة أثر ذلك على سلسلة القيمة الحيوانية كاملة.

المحور الخامس: تغيير الثقافة الغذائية وإعادة تشكيل السوق

شهد السودان خلال العقود الماضية تحوّلاً عميقاً في سلوكه الغذائي نتيجة الهيمنة الواسعة لدال على قطاع الدقيق. بوجود مطاحن عملاقة وامتيازات استيراد القمح، تراجع اعتماد البلاد على الحبوب المحلية مثل الذرة والدخن، وتراجعت الصناعات التقليدية المرتبطة بها. لم يكن هذا التحول طبيعياً، بل نتاجاً مباشراً لقدرة الشركة على ملء الفراغ في ظل ضعف الدولة الإنتاجي، مما أدى إلى ترسيخ ثقافة غذائية جديدة تعتمد على المستورد، وهو ما زاد من هشاشة الأمن الغذائي على المدى الطويل.

المحور السادس: سيطرة مؤسسية تجعل المنافسة شبه مستحيلة

هنا تبرز النقطة الإضافية التي تشرح سبب استحالة منافسة دال في سوق القمح تحديداً. فقد أشار تجار وموردون إلى أن الحلقة التنظيمية المسؤولة عن مطابقة القمح المستورد للمواصفات – وتحديداً تقارير الرطوبة – تقع تحت نفوذ شخصيات ذات صلة عائلية بأسامة داود، ما يجعل قرارات المطابقة خاضعة لقراءة تضيق أو تتسع تبعاً للاعتبارات المؤسسية. ووفق روايات موثوقة، حاول أحد الموردين إدخال شحنة قمح ممتاز من أوكرانيا بسعر منافس، لكنه واجه رفضاً بسبب تقرير “عدم المطابقة” الذي قُدّم له.

هذا النوع من التداخل بين الوظيفة العامة والمصلحة الخاصة لا يشكل “اتهاماً”، لكنه يعكس تعقيداً بنيوياً يجعل المنافسة الحقيقية على استيراد القمح شبه مستحيلة.

المحور السابع: محاولات الأمن عبر «زادنا» لكسر الاحتكار

استشعرت السلطة خلال سنوات الإنقاذ المتأخرة حساسية هذا الوضع. فقد بدا أن التحكم في القمح – سلعة استراتيجية يمكن أن تهدد استقرار المدن – أصبح في يد شركة واحدة. لذلك دفعت بعض الجهات الأمنية إلى دعم مطاحن “زادنا” في محاولة لخلق توازن مقابل، لكن هذه المطاحن واجهت صعوبات لوجستية وتنظيمية لم تستطع تجاوزها أمام شبكة دال الراسخة. لا يعني هذا أن دال تدخلت مباشرة، بل إن الاختلال الهيكلي في السوق كان أكبر من أن تعالجه مبادرة من جهاز أمني غير متخصص في الصناعات الغذائية.

المحور الثامن: التمويل الدولي بين النظرية والتطبيق

من الناحية النظرية، تُمنح القروض الدولية للشركات ذات الأثر التنموي الواضح: توفير السلع الأساسية، خلق وظائف، تعزيز سلاسل القيمة. لكن في بيئة مثل السودان، حيث يصعب تقييم الأثر الاجتماعي الحقيقي للمشاريع، تتحول القروض إلى أداة لتمكين الفاعل الأقوى لا لدعم السوق الأكثر احتياجاً. ورغم وجود عمليات تدقيق شكلية، فإن متابعة تنفيذ الأثر الفعلي على المستهلكين – خصوصاً الفئات الضعيفة – تبقى محدودة بسبب ضعف مؤسسات الرقابة المحلية.

المحور التاسع: الأثر الكلي على الاقتصاد السوداني

أدت هيمنة شركة واحدة على قطاعات استراتيجية – الدقيق، الأعلاف، السيارات، الدواء، المشروبات – إلى نشوء سوق غير متكافئ، يتحرك فيه رأس المال الضخم بأريحية بينما تُقصى المشاريع الصغيرة والمتوسطة من دائرة المنافسة بسبب غياب الأدوات والضمانات نفسها. هذا الوضع يعيد إنتاج نمط اقتصادي يعتمد على الريع التجاري بدلاً من الإنتاج، وعلى الاستيراد بدلاً من التصنيع، وعلى الاحتكار بدلاً من التنافسية، وهو ما يعمّق هشاشة الاقتصاد السوداني في لحظات الأزمات.

المحور العاشر: الخلاصة – من يملك مفاتيح الدولة؟

القضية هنا ليست أسامة داود كشخص، ولا دال كشركة ناجحة في ظاهرها، بل النموذج الذي مكّن شركة واحدة من التحرك باعتبارها “الواجهة الوحيدة الممكنة” للدولة أمام المؤسسات المالية الدولية. هذا النموذج يخلط بين المصلحة العامة والخاصة، ويجعل التنمية واجهة أنيقة لاحتكار محكم، ويحوّل الدولة – دون قصد أحياناً – إلى ضامن لمشروعات لا تعود عليها بالمكاسب نفسها التي تعود على أصحابها.

الخاتمة:

إن مساءلة هذا النموذج ليست عملاً سياسياً أو هجوماً شخصياً، بل ضرورة وطنية لفهم كيف تحولت التنمية إلى قناة مصالح، وكيف تشكلت شبكة نفوذ جعلت المنافسة العادلة شبه مستحيلة، وكيف أُعيدت هندسة الاقتصاد السوداني بما يخدم فاعلاً واحداً أكثر مما يخدم الدولة ومواطنيها.

ومع أن الوقائع لا تكفي وحدها للحكم، فإنها تكشف – بوضوح قانوني – عن اختلال بنيوي في علاقة الدولة برأس المال، وعن حاجة ملحّة لإعادة بناء منظومة الرقابة والمنافسة على أسس شفافة وعادلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!