رأي

الحوار مع المؤتمر الوطني: إشكالية الموقف وحدود الواقعية السياسية

سمية النور دهب .. دبلن

 

سمية النور دهب ..دبلن 

أثار تصريح رئيس حزب المؤتمر السوداني حول عدم ممانعة حزبه للحوار مع الحركة الإسلامية وواجهتها السياسية المؤتمر الوطني جدلًا واسعًا داخل الأوساط السياسية والمدنية، ليس بسبب غرابته فقط، بل لأنه يفتح أسئلة جوهرية حول الاتساق السياسي، ومعايير العمل المدني، وحدود ما يمكن قبوله تحت لافتة “الواقعية السياسية”.

من حيث المبدأ، لا يُعدّ الحوار في ذاته فعلًا مدانًا، إذ تلجأ إليه القوى السياسية عادة كأداة لإدارة الصراعات المعقدة. غير أن الإشكال في هذه الحالة لا يتعلق بفكرة الحوار المجردة، بل بطرف الحوار وطبيعته والسياق الذي يُطرح فيه. فالمؤتمر الوطني ليس حزبًا عاديًا خرج من السلطة عبر تنافس ديمقراطي، بل هو واجهة سياسية لمنظومة حاكمة ارتبط اسمها بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وفساد ممنهج وانتهاكات واسعة للحقوق والحريات، وهي وقائع لم تكن محل خلاف، بل موثقة ومُدانة سياسيًا وأخلاقيًا في أدبيات قوى الثورة نفسها.

المفارقة الأساسية أن حزب المؤتمر السوداني كان طرفًا في توقيع وثائق سياسية صريحة تُصنّف المؤتمر الوطني كمنظومة إرهابية مسؤولة عن تقويض الدولة وإشعال الحروب وقمع الشعب. هذه الوثائق لم تُوقّع في لحظة انفعال، بل جاءت ثمرة نقاشات مطولة داخل معسكر القوى المدنية. وعليه، فإن أي حديث عن الحوار مع ذات الجهة دون مراجعة علنية لهذه المواقف، أو توضيح الشروط والمرجعيات، يبدو متناقضًا مع الالتزامات السابقة، ويطرح تساؤلات مشروعة حول مصداقية الخطاب السياسي.

التوقيت بدوره يزيد من حساسية التصريح. فإطلاقه في ذكرى ثورة ديسمبر، التي مثّلت لحظة فاصلة في الوعي الوطني وقطيعة واضحة مع النظام السابق، يجعل الرسالة أكثر إرباكًا. ديسمبر لم تكن مجرد احتجاجات ضد حكومة، بل رفضًا شاملًا لمنظومة حكم كاملة. وأي مقاربة سياسية تتجاهل هذا البعد الرمزي والأخلاقي تُخاطر بفقدان ثقة الشارع الذي منح القوى المدنية شرعيتها.

من زاوية التحليل المنطقي، فإن الحوار السياسي، إن أُريد له أن يكون جادًا، يفترض توافر حد أدنى من الاعتراف بالجرائم، والاستعداد للمحاسبة، والقبول بقواعد انتقالية جديدة. أما طرح الحوار بشكل عام وفضفاض، دون تحديد هذه الاشتراطات، فيُفهم باعتباره محاولة لتطبيع وجود المؤتمر الوطني في المشهد، لا تفكيك منظومته. وهذا ما يفسر حالة الغضب والقلق التي سادت أوساط واسعة من الثوار.

كما لا يمكن فصل هذا الجدل عن واقع القوى المدنية نفسها، التي تعاني من ضعف بنيوي واختراقات متعددة، وغياب آليات واضحة للمساءلة الداخلية. فحين تصدر مواقف فردية من قيادات عليا دون العودة لمؤسسات الحزب أو حواضنه السياسية، تتحول الأحزاب إلى كيانات هشة، يسهل التشكيك في مواقفها ووطنيتها، حتى وإن كانت نوايا بعض أفرادها حسنة.

في المحصلة، فإن الأزمة التي فجّرها هذا التصريح تتجاوز شخص صاحبه، وتمسّ جوهر المشروع المدني كله. المطلوب ليس تبادل الاتهامات، بل نقاش صريح حول الخطوط الحمراء للعمل السياسي، وحول الفرق بين الواقعية التي تخدم الانتقال الديمقراطي، والبراغماتية التي تفتح الباب لعودة قوى الثورة المضادة. فبدون وضوح في المواقف، واتساق بين القول والفعل، ستظل القوى المدنية تدور في حلقة فقدان الثقة، وهي كلفة لا يحتملها السودان في هذه المرحلة الحرجة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!