رأي

لزوم ما لا يلزم: تكلفة الحرب والسلام في السودان

صالح السليمي

 

 صالح السليمي

في ذخيرة التراث العربي، يبرز تعبير «لزوم ما لا يلزم» بوصفه مفهوماً بالغ العمق والدلالة. وقد ارتبط هذا التعبير، في الذاكرة الثقافية، بلزوميات أبي العلاء المعرّي، حيث يتحوّل الالتزام بما لا ضرورة له إلى عبء ذهني وأخلاقي، وربما إلى تمرين فلسفي شاق لا يفضي إلى نفع عملي. غير أنّ هذا المفهوم، حين يُنزَل من مداره الأدبي إلى واقع السياسة والمجتمع، يغدو أكثر بلاغة، إذ يعني الإصرار على أفعال غير واجبة، باهظة الكلفة، عالية المخاطر، رغم توافر بدائل أكثر رشداً وأقل خسارة.

بهذا المعنى، يمكن توصيف الحرب في السودان على أنها المثال الأوضح لـ«لزوم ما لا يلزم» في تاريخ البلاد الحديث. فهي لم تكن قدراً محتوماً، ولا ضرورة تاريخية لا مهرب منها، بل جاءت نتيجة تراكب سوء التقدير مع غياب الحكمة، وانتصار منطق السلاح على صوت العقل. وكانت النتيجة حرباً عبثية بكل المقاييس: عالية الكلفة، منعدمة الجدوى، لم تحصد البلاد منها سوى الخراب والتشظي.

 

لقد دفعت الشعوب السودانية ثمناً فادحاً لهذه المغامرة غير الضرورية. ملايين شُرّدوا داخل الوطن وخارجه، تمزّقت الأسر، وتحوّلت مدن عامرة إلى مساحات موحشة. توقفت عجلة التنمية، وتراجع الاقتصاد تراجعاً حاداً، بل أصيب بحالة من التفكك البنيوي، حيث انهار معدل النمو، وتشظّت مفاصله، وغابت الرؤية الجامعة. أما البنية التحتية، التي تمثل عصب الحياة لأي دولة، فقد تعرضت لتدمير واسع النطاق طال الطرق والجسور، وشبكات الكهرباء والمياه، والمرافق الصحية والتعليمية، بما يجعل كلفة إعادة الإعمار وحدها عبئاً ثقيلاً على أجيال قادمة.

وأمام هذا المشهد القاتم، يفرض سؤال نفسه بإلحاح: ما الذي جناه المتحاربون؟ وأي مكسب يمكن أن يُقارن بهذا السيل الجارف من الخسائر البشرية والاقتصادية والاجتماعية؟ إن المقارنة بين ما كان ممكناً — تعايشاً سلمياً، وإدارة عقلانية للتنوع، وصراعاً سياسياً تُدار خلافاته بأدوات مدنية — وبين ما آل إليه الواقع، تكشف بجلاء أن الحرب لم تكن سوى فعل زائد عن الحاجة، وتجسيداً صارخاً لـ«لزوم ما لا يلزم».

فالسودان، بتاريخِه وتنوّعه الثقافي والإثني، يمتلك قابلية أصيلة للتعايش السلمي بين مكوناته المختلفة. وهذا التعايش ليس حلماً مثالياً أو خطاباً عاطفياً، بل خيار واقعي تؤكده تجارب شعوب ودول كثيرة نجحت في تحويل تنوعها إلى مصدر قوة. غير أنّ الحرب قطعت هذا المسار، وأدخلت الجميع في معادلة خاسرة، حيث لا منتصر حقيقياً، حتى أولئك الذين يتوهمون النصر.

وعلى النقيض من الحرب، التي تتصاعد كلفتها مع كل يوم يمر، فإن السلام — إذا ما نُظر إليه بعين العقل — لا يحمل كلفة سلبية تُذكر. السلام يفتح الآفاق ولا يسدّها، ويهيئ المجال لانطلاقة جديدة نحو مستقبل أرحب، تتسع فيه مساحات التفكير والعمل المشترك. وهو المدخل الطبيعي لاستعادة الدولة، وترميم العلاقة بين المجتمع ومؤسساته، ومنح الاقتصاد فرصة حقيقية للتعافي والنمو.

والأهم من ذلك، أن العودة إلى صوت العقل ما زالت ممكنة. فالنوافذ لم تُغلق كلها، والفرص لم تُستنفد بعد. مسارات السلام، مهما بدت شاقة أو متعثرة، ما زالت مجدية وقابلة للإحياء متى ما توفرت الإرادة السياسية، وقدّمت المصلحة العامة على الحسابات الضيقة. أما الإصرار على السير في دروب الحرب، فلا يعني سوى مضاعفة الخسائر، وتعميق الجراح، وتأجيل الخلاص إلى أفق مجهول.

لذلك، فإن الخيار الأجدر اليوم هو أن يسعى السودانيون — نخباً وشعوباً — إلى صياغة معادلة جديدة تقوم على تعظيم المكاسب المشتركة، وفق مبدأ الربح للجميع (Win-Win Approach). معادلة تعترف بالتنوع بوصفه رصيداً لا عبئاً، وتستبدل منطق الإقصاء بمنطق الشراكة، ومنطق السلاح بمنطق الحوار.

في المحصلة، لا تحتاج الشعوب السودانية إلى مزيد من «اللوازم» التي لا تلزم، ولا إلى مغامرات عبثية تستنزف ما تبقى من طاقتها. ما تحتاجه حقاً هو شجاعة من طراز مختلف: شجاعة الاعتراف، والعودة إلى درب السلام، واختيار ما هو ضروري، نافع، ومجدٍ. فالتاريخ قد لا يرحم من يصرّ على الخطأ، لكنه كثيراً ما ينصف من يعود إلى العقل، ولو بعد حين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!