رأي

حكومة تأسيس أمام اختبار المسؤولية

مها طبيق

 

 مها طبيق 

دخل السودان مرحلة أجندة السياسة الدولية . إعلان تولّي الرئيس الأميركي دونالد ترامب الإشراف المباشر على الملف السوداني كما عكسه خطاب الإدارة الأميركية . تمثّل تحوّلًا نوعيًا في مستوى التدخل ، ويضع البلاد أمام معادلة جديدة تُدار بمنطق المصالح الصلبة بعيدا عن الشعارات والنوايا المعلنة . لذلك يجب أن نقرأ هذه الخطوة بوصفها قرار لإدارة أزمة عالية المخاطر ، تتمثل في الأمن مقابل الاعتراف ، واستقرار مقابل ترتيبات نفوذ ، ومساعدات مقابل التزامات سيادية .

منذ اندلاع الحرب ، ظل السودان يُدار دوليًا باعتباره أزمة إنسانية . أما اليوم ، ومع دخول ترامب على الخط ، ينتقل إلى ملف جيوسياسي تنفيذي ، هذا التحول يعني أن تعطى أولوية وقف القتال بأي كلفة سياسية . وتهميش مسارات العدالة الانتقالية لصالح ما يُسمّى بـ“ الاستقرار الوظيفي ” . مع قابلية إعادة تدوير من يواجهون تهم إن ( أثبتوا قدرتهم على فرض الأمن ) إلي شركاء فاعلين يعتمد عليهم . فالخطر هنا لا يكمن في التدخل ذاته ، وإنما في منهج الحل عبر تسويات تُجمِّد الصراع ولا تُفكِّكه ، وتُنتج سلامًا هشًا قابلًا للانفجار .

نهج ترامب يعتمد على وسطاء إقليميين فاعلين ( السعودية ، الإمارات ، مصر ) ، مما يعيد مركز الثقل إلى خارج السودان . هذا يعزّز سرعة القرار ، لكنه يُضعف تمثيل القوى القاعدية والمدنية ، ويُنتج حلولًا جاهزة قد لا تعكس تعقيدات الواقع الاجتماعي والسياسي في السودان .

إن النتيجة المحتملة هو استقرار مُدار من الخارج ، لا دولة يعاد بناؤها من الداخل . مما يجعل حكومة التأسيس أمام اختبار الوجود مع تولّي ترامب الملف الذي يفتح نافذة اعتراف دولي لحكومة التأسيس ، لكنه اعتراف مشروط بالكفاءة والقدرة على التنفيذ . واشنطن ستطرح أسئلة مباشرة حول من يملك السيطرة الفعلية على الأرض من يضمن الأمن واستمرارية التعهّدات ؟ ومن يملك بنية قرار موحّدة ؟ ، أي ارتباك تنظيمي أو انقسام سياسي سيُترجم سريعًا إلى تجاوز الحكومة ، أو تفريغها من مضمونها ، وتحويلها إلى واجهة مدنية بلا سلطة حقيقية .

السودان اليوم أمام مرحلة إعادة صياغة المشروع الوطني بلغة المصالح ، ذلك لأن ترامب لا يدعم مشاريع مفتوحة بلا مؤشرات أداء . فالمطلوب من حكومة التأسيس أن يتبنى خطاب سيادي ذكي يُحوّل المبادئ إلى التزامات قابلة للتفاوض . وخارطة طريق أمنية – اقتصادية تُظهر القدرة على ضبط المجال العام . وتوازن دقيق بين عدم التفريط في جوهر المشروع الوطني وعدم الاصطدام غير المحسوب مع مراكز القرار الدولية ، وإلا يكون

البديل التهميش والتجاهل .

تولّي ترامب ملف السودان يعني تصعيد في مستوى اللعبة . ومن يدخل هذه اللعبة بلا رؤية وأدوات سيتم إستخدامه ضمن صفقة أكبر . ومن يملك مشروعًا واضحًا ، وانضباطًا داخليًا ، وقدرة تفاوضية ، قد يفرض نفسه كفاعل لا كملحق . أصبح السودان اليوم ساحة اختبار لقوة الدولة ، مما يضع حكومة التأسيس أمام لحظة فاصلة وإختبار للمسؤولية ليكون إما شريك تفاوضي كامل الأهلية…أو بند ثانوي في تسوية سريعة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!