رأي

مهزلة قضائية سياسية في السودان

مها طبيق

 

 مها طبيق 

العجب ! وفي ظل هذه الحرب السودانية التي لم تُحسم بعد عسكريًا أو سياسيًا ، أطلقت السلطات في بورتسودان ، المركز الإداري والعسكري للجيش السوداني ، سلسلة محاكمات جماعية تجمع قادة عسكريين من قوات الدعم السريع مع شخصيات مدنية ديمقراطية ، تحت تهم متطابقة تتعلق بالدعم والتعاون مع “الإرهاب” . هذه المحاكمات ، التي تبدو على السطح إجراءً قضائيًا روتينيًا ، تكشف في الواقع عن توظيف مخل ومُهين لأدوات العدالة ، مما حولها إلى مسرحية سياسية مضحكة هدفها الردع والانتقام ، مُهددًا بذلك مبدأ دولة القانون والثقة في السلطة القضائية نفسها .

يفقد أي إجراء قضائي شرعيته الأساسية عندما يُدار من قبل طرف مباشر في النزاع . بورتسودان ، كمعقل عسكري ، لا تشكل بيئة محايدة لمحاكمة خصوم سياسيين أو عسكريين ، مما ينتهك مبادئ “القاضي الطبيعي” واستقلال السلطة القضائية ، كما هو منصوص عليه في المادة 14 من العهد الدولي لحقوق الإنسان . هذا التوظيف المخل يحول القضاء إلى امتداد للسلاح العسكري ، حيث يُصبح الحكم مسبقًا أمرًا مفروغا منه ، مُسقطًا أي ضمانات لمحاكمة عادلة .

أبرز مظاهر هذه المسرحية السياسية المضحكة يكمن في صياغة التهم ، إذ يُتهم قائد قوات الدعم السريع نفسه بـ”دعم قوات الدعم السريع” ، في تناقض منطقي فاضح لا يستقيم مع أي نظرية قانونية معترف بها . كما يُجمع بين صفة جنائية واضحة ومواقف سياسية سلمية لشخصيات مدنية مناهضة للحرب ، تحت مظلة واحدة من “التعاون مع الإرهاب” . هذا الخلط المتعمد يُفرغ مبدأ “شخصية المسؤولية الجنائية” من محتواه ، ويحول الخلاف السياسي إلى جريمة جنائية ، مُستخدمًا القانون كسلاح لتوسيع دائرة التجريم وإسكات المعارضة .

يعتمد الادعاء على مواد فضفاضة من قانون العقوبات لعام 1991 وقوانين مكافحة الإرهاب وغسل الأموال ، دون تحديد وقائع فردية دقيقة لكل متهم ، مُعيدًا إحياء مسرحيات نظام الإنقاذ السابق في توسيع النصوص القانونية وتعميم التهم ، مخالفًا مبدأ “الشرعية الجنائية” الذي يتطلب نصوصًا واضحة ومحددة . النتيجة تحويل القضاء من حارس للعدالة إلى آلة ردع سياسي ، مُهددًا بانهيار الثقة العامة في النظام القضائي وتعزيز ثقافة الإفلات من العقاب للجرائم الجسيمة .

في الوقت نفسه الذي تُجرى فيه هذه المحاكمات الانتقائية ، تتجاهل السلطات التزاماتها بتسليم عمر البشير وعبد الرحيم محمد حسين وأحمد هارون إلى المحكمة الجنائية الدولية ، مما يكشف ازدواجية تُثبت أن معيار المحاسبة سياسي بحت ، خاضع لمعادلات القوة ، مُعمقًا الشكوك حول نزاهة أي إجراء داخلي . لذلك تُنتج هذه المحاكمات آثارًا كارثية من تقويض الثقة في القضاء بشكل كامل ، تجريم العمل السياسي السلمي ، وتعطيل مسار عدالة انتقالية حقيقية . بدلاً من إنهاء الحرب ، تُطيل أمدها عبر تحويل العدالة إلى أداة انتقام ، مُهددة بتحويل السودان إلى دولة فاشلة قانونيًا حيث يُصبح القانون ذريعة للقمع لا درعًا للحقوق .

لا يمكن بناء دولة القانون إذا تحول العدالة الي منصة حرب ، ولا عبر قضاء مُسيَّس . المخرج الوحيد لوقف هذه المهزلة يكمن في وقف الحرب ، وتفكيك تسييس القضاء ، والانتقال إلى آليات انتقالية مستقلة تتوافق مع المعايير الدولية . غير ذلك ، ستظل محاكمات بورتسودان فصلًا مشينًا من مسرحية سياسية تُدفن فيها أحلام السودانيين بدولة عادلة .

مها الهادي طبيق

22 يناير 2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!