مفهوم التعايش (الإعتراف بالآخر وقبول الآخر) مابين المصير المشترك والعيش المشترك
إسماعيل رحمة المحامي

إسماعيل رحمة المحامي
يمثل المصير المشترك والعيش المشترك المعيار الأول في بناء مجتمعات آمنه ومستقرة ومطمئنه ومتعددة حيث يتحوّل التنوع العرقي والديني والثقافي إلى مصدر ثراء وإبداع وغذاء روحى إجتماعى وليس للتناحر والفتن والكراهيه والعنصريه ولايمكن أن يكون هنالك إحترام لهذا التنوع إلا على الإيمان بهذه الأسس الأخلاقيه والإنسانيه والقانونيه وهى المواطنة والمساواة والاحترام المتبادل للعادات والتقاليد والأعراف والفنون واللغات واللهجات وتغليب المصلحه العليا لضمان أمن وازدهار المجتمع و الجميع مع تعزيز التضامن الاجتماعي والثقافي وكل هذا يتحقق تحت شعار العدل فوق الجميع والانسانيه لاتتجزأ . ولابد من تعزيز روابط الثقة والتعاطف والتضامن بين كافة مكونات المجتمعات بغرض العمل على مكافحة العزله فيما بينها وتحقيق التكافل مع بعضهم البعض وهذا يتحقق من خلال ميزان المساواه في الحقوق والواجبات وسيادة حكم القانون الذي يحمي حقوق الأقليات ويمنع التمييز والتنمر والعنصريه وخطاب الكراهيه مع توفير فرص متساويه في التنميه والعمل بما يمنع التهميش والغبن والفقر والمرض وغياب الخدمات الأساسيه.
إن مفهوم التعايش كأساس للإعتراف بالآخر وقبول الآخر لتحقيق المصير المشترك والعيش المشترك لايتحقق إلا بالحوار والتفاهم والتواصل والإلتزام بشده على نبذ ثقافة الكراهيه والعنصريه وتعميق قيم التسامح والعفو والتصالح مع تطبيق مبدأ الديمقراطيه فى المحاسبه والمساءله وردع المخالفين من أهل الفتن والصراعات والأجندات الشخصيه
وتغليب المصلحه العامه العليا للمجتمع والدوله وتحقيق الأمن والاستقرار والطمأنينة والوئام الاجتماعى السلمى بين جميع مكونات المجتمعات فى داخل الدوله والاعتراف بأن الوطن ملك للجميع ولا غالب فيه أو مغلوب ولا مكان لخطاب الكراهيه والعنصريه .
وملأ هذا الفراغ المجتمعى وتفويت الفرصه لجماعات الفتن لابد من العمل على صياغة واقع مبني على المحبه والانسجام والتواضع والتسامح والعفو والاعتذار وتكامل الأدوار بين الافراد والمؤسسات والدوله والمجتمع والقانون .
يعد العيش المشترك والمصير المشترك عمليه مستمره لتنقية الفضاء الاجتماعي وتحقيق السلام والامن الوقائى الإجتماعى حيث يساهم في بناء هويات وطنيه جامعه تستوعب التنوع مما يجعله خيارا ضروريا لاستمرار بقاء المجتمعات وتطورها وإزهارها وصمام أمان للأمن والإستقرار والطمأنينه
وعلى مر التاريخ البشري تطوّرت البشريّه بصوره كبيره عبر العصور وتطور معها مفهوم التعايش والإعتراف والقبول والمصير فانتقل الإنسان من الخوف والانعزال الى الوحدة والتضامن للحفاظ على الأمن الإجتماعى (لاضرر ولاضرار ) بناء قواعد الحياه المشتركه في مجموعات اتسمت بالتشابه الفكري والالتزام بعادات وتقاليد محدده من عادات ولباس ومنها نشأت المجتمعات البشريه المختلفه والألوان الثقافيه والفكريه المتنوعه التي إندمجت مع بعضها البعض
والصوره الحقيقيه هى أن من المؤكد لن يتشابه تفكير إنسان يعيش في الغابات مع آخر يعيش في الجبال والسهول وآخر على سطح الجليد ولن تتشابه أنماط حياتهم وتقاليد فى اللباس والطعام والرقص والغناء والسلوك والتواصل هذه الحقيقه كان خلفها ميلاد حركة مواجهه وصدامات بين المجتمعات البشريه عندما تلتقي وكل مجموعه تحاول فرض سيطرتها على الأخرى إلى أن تطور مفهوم الإنسانيه والقانون وظهر لنا مفهوم التعايش بين المجتمعات البشريه وانتج مايعرف بمبدأ قبول الآخر والإعتراف به وصولا إلى المصير المشترك والعيش المشترك .
وعليه لم يكن التعايش يوما ترفا فكريا تسلكه المجتمعات البشريه المختلفه دينيا ومذهبيا وعرقيا وسياسيا على كوكب الأرض بل كان وسيبقى دوما ركيزه أساسيه في بناء التفاهم والحوار والالتقاء على محبه وسلام وأمن وإستقرار بين كافة المجتمعات البشريه على الرغم من اختلافها وذلك لتطور البشريه والحفاظ عليها كوحده إجتماعيه.
وكيف أثبتت الحروب الأهليه أن التعايش هو سبيل النجاه من هذه الحروب
دون اللجوء إلى استخدام القوه وعلى الأخذ بمبدأ غالب و مغلوب ومنتصر ومهزوم في الوطن الذي يعد ملكا للجميع. إذ يحرص الأفراد المختلفون فيه على تغليب المصلحه العليا المشتركه وتثبيت أساسيات أمنهم الوقائى الاجتماعي بالعيش المشترك لضمان مستقبل أفضل
وفى كثير من الأوقات تحدث الحروب الأهليه عادة جراء عوامل خارجيه دوليه وعوامل داخليه محليه تؤدي دورا تخريبيا وتدميريا وتحريضيا في تقود إلى فتنه المجموعات السكانيه في بلد ما تتقاتل فيما بعضها البعض ويطفح خطاب الكراهية فتغيب ثقافة التعايش بين المكونات البشريه وتغلب النعرات القبليه وعدم قبول الآخر والنتيجة تكون كارثيه على الجميع لأنها تدمر جيلا كاملا وتعزز مفهوم العنف وفرض السيطرة بدلا من الحوار لبناء المجتمع.
شهد التاريخ أمثله مؤلمه عن الحروب الأهليه في (رواندا – البوسنه والهرسيك – لبنان – الصومال – وغيرها )
السودان اليوم يحتاج إلى طريق ثالث هو طريق يؤسس لثقافة مفهوم التعايش والمصير المشترك والعيش المشترك من أجل توطين ثقافة قبول الآخر والإعتراف به وثقافة الإعتذار والتسامح والعبور نحو التحول المدني الديمقراطي بقيم الديمقراطيه والإنسانيه ومبدأ العدل فوق الجميع والانسانيه لا تتجزأ لرسم خارطة طريق نحو التوافق الوطني وتأسيس دولة الدستور والعقد الاجتماعي والمواطنه .
حتما ستقف الحرب ويتصافح الجميع فى محبه وسلام
تحياتي
إسماعيل أحمد رحمه المحامى والمستشار القانونى الدولى
٢٥يناير٢٠٢٦م



