
نجم الدين دريسة
الدولة التي تفقد أخلاقها، لا تحكم شعوبها… بل تفترسها
لم تكن الدولة السودانية التي وُلدت منتصف القرن العشرين مشروعًا وطنيًا جامعًا كما جرى الترويج له، بل كانت منذ لحظة تأسيسها بنية إقصائية استبطنت منطق الاستعمار وأعادت إنتاجه بأيدٍ محلية. لقد انتقلت أدوات السيطرة من الخارج إلى الداخل، بينما ظل جوهر السلطة على حاله: قلة تحتكر القرار والثروة والمعنى، وأكثرية تُدار بالقوة والتهميش والعنف. لم تُبنَ هذه الدولة على فكرة المواطنة المتساوية، بل على الامتياز، ولم تُصغ بوصفها إطارًا للعدالة، بل كأداة سيطرة منظمة على الإنسان والأرض معًا.
منذ البداية، جرى الالتفاف على السؤال الجوهري: من هو المواطن؟ لم يكن ذلك سهوًا، بل خيارًا سياسيًا واعيًا. فالهوية التي اعتمدتها الدولة كانت هوية أحادية، عروبية في تعريفها الثقافي، ومؤدلجة دينيًا في سلوكها السياسي، ومركزية في بنيتها السلطوية. كل ما خرج عن هذا النموذج أُدرج تلقائيًا في خانة “الآخر”: المختلف، المشكوك في وطنيته، أو القابل للإخضاع بالقوة. وبهذا المعنى، لم تكن الدولة إطارًا جامعًا للتنوع السوداني، بل جهازًا لإدارته بالقمع.
هذا الاختلال البنيوي لم يكن منفصلًا عن التاريخ العميق للعبودية في السودان. فالمدينة التي أصبحت عاصمة للدولة الحديثة تأسست في الأصل كسوق للرقيق، حيث جرى تحويل البشر إلى سلع، والكرامة إلى رقم. الأخطر من ذلك أن هذا الإرث لم يُدان أخلاقيًا، بل تم تجاهله أو تلميعه، لتنتقل عقلية السيد والعبد من الفضاء الاجتماعي إلى فضاء الدولة، ومن العُرف إلى المؤسسة، ومن السوط إلى القانون. وهكذا تشكّلت دولة تحمل في أحشائها منطق التفوق والاستباحة.
العنصرية في السودان لم تكن انحرافًا اجتماعيًا، بل سياسة دولة. ظهرت في توزيع السلطة، وفي تركيب الجيش والأجهزة الأمنية، وفي إدارة الخدمة المدنية، وحتى في صياغة المناهج التعليمية والخطاب الإعلامي. كان هناك فرز غير معلن لكنه صارم: من ينتمي إلى المركز يُمنح الشرعية والفرص، ومن يأتي من الهامش يُنظر إليه باعتباره عبئًا أو تهديدًا. بهذا المنطق قُسم البلد فعليًا إلى فضاء مهيمن وآخر مستباح، حيث العنف ليس استثناءً بل أداة حكم.
وتعمّقت هذه العنصرية حتى داخل الفئات المُهمّشة نفسها، حيث جرى إنتاج تدرجات داخلية في القيمة الإنسانية، على أساس اللون والانتماء الجهوي. لم يكن ذلك مجرد خطاب اجتماعي، بل آلية لتفكيك التضامن وإعادة إنتاج القهر، حتى صار بعض الضحايا يتبنون نظرة دونية تجاه ذواتهم، في واحدة من أخطر نتائج العنف الرمزي طويل الأمد.
حين واجهت الدولة مطالب الهامش بالحقوق والاعتراف، لم تلجأ إلى السياسة، بل إلى السلاح. ما جرى في دارفور، وجبال النوبة، والنيل الأزرق، وما سبق ذلك في جنوب السودان، لم يكن صراعات عشوائية، بل سياسات مدروسة هدفت إلى إعادة تشكيل الواقع السكاني بالقوة. القرى أُحرقت، السكان هُجّروا، والجرائم ارتُكبت في وضح النهار، تحت غطاء السيادة ووحدة الدولة. في دارفور، بلغ هذا المسار ذروته، حين استُهدفت مجموعات بعينها على أساس هويتها العرقية، في جرائم ترقى إلى الإبادة الجماعية، ما أسقط أي ادعاء أخلاقي لشرعية الدولة.
ولم تكتفِ السلطة بالعنف المادي، بل استعانت بالدين لتبريره. جرى تحويل الخطاب الديني من منظومة قيم إلى أداة تعبئة، تُكفِّر الضحية وتُقدِّس القتل. عند هذه النقطة، انهارت آخر الحواجز الأخلاقية، وأصبح العنف ممارسة مشروعة باسم المقدس.
لاحقًا، عملت الدولة على تزييف التاريخ، فطمست الجرائم، وشوّهت صورة الضحايا، وقدّمت الجلادين بوصفهم حماة الوطن. وحتى اليوم، لا يوجد تشريع حقيقي يجرّم العنصرية، لأن تجريمها يعني مساءلة الدولة نفسها. جاءت حرب 15 أبريل لتسقط الأقنعة نهائيًا، وتُظهر أن العنف ليس طارئًا، بل جزء أصيل من بنية لم تُفكك.
إن الأزمة السودانية ليست أزمة حكم عابر، بل أزمة دولة تأسست ضد شعبها. ولا يمكن إصلاح هذا النموذج أو تجميله. المطلوب قطيعة تاريخية وأخلاقية شاملة، والاعتراف بأن بناء وطن جديد يبدأ بتفكيك الجريمة المؤسِّسة، لا التعايش معها. فالأوطان لا تُبنى على الإنكار، بل على العدالة، ولا تعيش بالقوة، بل بالكرامة.




