حوارات

إسماعيل هجانة: المجتمع المدني السوداني فقد حياده وأصبح جزءًا من معادلة الحرب

حوار التنوير مع إسماعيل هجانة يفتح ملف الانتقائية، التمويل، وتسييس العمل الإنساني بين المبادئ والاصطفاف

حوار: التنوير

في لحظة تتكثف فيها المأساة، وتُختبر القيم لا بالشعارات بل بالمواقف، يبرز سؤال المجتمع المدني السوداني بوصفه أحد أكثر الأسئلة إلحاحًا وإزعاجًا في زمن الحرب. فالمجتمع المدني، الذي يُفترض أن يكون ضميرًا أخلاقيًا مستقلًا وصوتًا للضحايا بلا تمييز، وجد نفسه وسط عاصفة من الاصطفافات والضغوط والمصالح، حتى بات من المشروع التساؤل: هل ظل فاعلًا حقوقيًا حقيقيًا، أم انزلق بوعي أو خوف ليصبح جزءًا من معادلة الصراع؟

في هذا السياق يأتي هذا الحوار مع الأستاذ إسماعيل هجانة، الخبير في العمل المدني والإنساني، ورئيس اللجنة المكلفة بإعادة هيكلة جمعية الهلال الأحمر السوداني، بوصفه محاولة جريئة لتفكيك هذا الواقع المعقد من داخل التجربة لا من خارجها. حوار لا يبحث عن إجابات مريحة، بل يذهب مباشرة إلى مناطق التوتر الأخلاقي والمهني: حيث تآكل الحياد، واختبرت الاستقلالية، وأُعيد تعريف المبادئ الإنسانية تحت ضغط الحرب والسلطة والتمويل.

إلى مضابط الحوار

كيف يمكن توصيف دور المجتمع المدني السوداني في زمن الحرب: هل ظل فاعلًا حقوقيًا أم أصبح جزءًا من معادلة الصراع؟

في زمن الحرب، لا يُقاس دور المجتمع المدني بالشعارات التي يرفعها، بل بالمواقف التي يتخذها حين تصبح الكلفة عالية. وبكل وضوح، يمكن القول إن جزءًا معتبرًا من المجتمع المدني السوداني لم يحافظ على موقعه كفاعل حقوقي مستقل، بل انزلق بدرجات متفاوتة ليصبح جزءًا من معادلة الصراع، إما بالفعل أو بالصمت أو بالتموضع الانتهازي.

الانحياز الذي شهدناه لم يكن في الغالب انحيازًا مبدئيًا مبنيًا على قراءة حقوقية للصراع، بل جاء محكومًا بعوامل جهوية وتنظيمية وإثنية، وبحسابات تتعلق بالقرب من السلطة والتمويل والاستمرار المؤسسي. كثير من المنظمات التي تتحدث عن الحياد اختارت عمليًا الاصطفاف مع سلطة بورتسودان، لا دفاعًا عن المدنيين، بل حفاظًا على الامتيازات، ومساحات الحركة، وشبكات النفوذ.

«في هذه الحرب لم يعد الحياد مسألة خطاب، بل كلفة أخلاقية. كثير من منظمات المجتمع المدني لم تتحمّل هذه الكلفة، فاختارت الاصطفاف أو الصمت، وتحولت من فاعل حقوقي مستقل إلى جزء من معادلة الصراع.»

الأخطر أن هذا الاصطفاف جرى تغليفه بلغة حقوقية وإنسانية، فصار الصمت عن الجرائم في مناطق بعينها مقبولًا، والتشكيك في ضحايا مناطق أخرى مبررًا، وفق خرائط الجهة والانتماء. وهنا لم يعد المجتمع المدني وسيطًا أخلاقيًا، بل تحوّل في بعض الحالات إلى أداة لإعادة إنتاج الظلم وعدم المساواة.

في المقابل، لا يمكن تجاهل وجود مبادرات مستقلة ومجموعات محلية شجاعة حاولت التمسك بالخط الحقوقي الحقيقي، ودفع كثير منها ثمنًا باهظًا من حيث التضييق، وتجفيف الموارد، والتهديد. غير أن هذه الاستثناءات بقيت محاصَرة داخل مشهد عام مختلّ تهيمن عليه منظمات اختارت السلامة التنظيمية على حساب الحقيقة.

السؤال الجوهري اليوم ليس ما إذا كان المجتمع المدني قد أخطأ، بل ما إذا كان مستعدًا لمراجعة نفسه. إما أن يعترف بهذا الانحراف، ويفك ارتباطه الجهوي والتنظيمي، ويعيد تعريف الحياد بوصفه موقفًا أخلاقيًا مكلفًا، أو يواصل لعب دور الوسيط المزيّف، ويُسجَّل في ذاكرة هذه الحرب كشريك بالصمت أو التواطؤ.

في الحروب، الحياد يعد اختبارًا حقيقا للموقف والاخلاق والالتزام. والمجتمع المدني، في نهاية المطاف، إما أن يكون صوت جميع الضحايا دون استثناء، أو جزءًا من المشكلة التي يدّعي معالجتها وهذا ما يحدث في السودان الان بالضبط.

إلى أي مدى أثّرت الحرب على مبادئ الحياد والاستقلالية التي يُفترض أن تحكم العمل المدني؟

إلى حدٍّ بعيد، قوّضت الحرب مبادئ الحياد والاستقلالية التي يُفترض أن تحكم العمل المدني في السودان، ليس لأنها جعلت الالتزام بها مستحيلًا، بل لأنها كشفت هشاشتها البنيوية داخل عدد كبير من مؤسسات المجتمع المدني.

في السياق السوداني، لم تعد الحرب مجرد ظرف طارئ يضغط على الفاعلين المدنيين، بل تحوّلت إلى بيئة كاشفة: كشفت من كان حياده حقيقيًا ومكلفًا، ومن كان حياده مشروطًا بالمكان والجهة والتمويل. كثير من المنظمات فقدت استقلاليتها عمليًا حين ارتبط وجودها وفاعليتها بمراكز سلطة محددة داخل السودان، فصار الوصول، والتصاريح، والتمويل، وحتى الخطاب الحقوقي، مرتبطًا بالاصطفاف لا بالمبدأ.

«الاستحقاق الإنساني في السودان لم يعد يُحدَّد بالحاجة، بل بالجغرافيا المسموح بها سياسيًا. حين تُدار المساعدات وفق خرائط السلطة، لا نكون أمام عمل إنساني، بل أمام نظام توزيع يعيد إنتاج الظلم.»

الحياد، في هذه الحرب، لم يُنتهك فقط تحت الضغط الأمني، بل تآكل من الداخل. تحوّل عند بعض المؤسسات إلى صيغة لغوية فارغة، تُستخدم لتبرير الصمت عن انتهاكات جسيمة في مناطق بعينها، أو لتخفيف توصيف الجرائم حين يكون الفاعل محسوبًا على الجهة التي توفّر الحماية الإدارية أو السياسية. أما الاستقلالية، فقد جرى تفريغها من معناها حين أصبحت بعض المنظمات امتدادًا ناعمًا لخطاب السلطة أو جزءًا من منظومة إدارتها للأزمة، خصوصًا مع التمركز المؤسسي في بورتسودان وما ترتّب عليه من اصطفافات عملية.

الأخطر أن هذا الانحراف لم يُقدَّم بوصفه انحيازًا، بل غُلّف بخطاب مهني عن “الواقعية”، و“إدارة المخاطر”، و“حماية الاستمرارية المؤسسية”. وهكذا جرى تحويل مبادئ الحياد والاستقلالية من التزامات أخلاقية صارمة إلى أدوات مرنة تُعاد صياغتها حسب الجهة، والجغرافيا، وهوية الضحايا.

مع ذلك، لا يمكن القول إن الحرب ألغت إمكانية الحياد والاستقلالية بالكامل. ما حدث هو أنها رفعت كلفتهما. المنظمات والمبادرات التي تمسكت فعلًا بالحياد الشامل والاستقلال الحقيقي دفعت ثمنًا واضحًا: تضييق، تجفيف موارد، تشويه، وتهديد. لكن وجود هذه الاستثناءات يؤكد أن المشكلة ليست في استحالة الالتزام بالمبدأ، بل في ضعف الإرادة المؤسسية لدى قطاع واسع من المجتمع المدني.

بمعني ادق وشامل يمكنن يالقول: “الحرب لم تُسقط مبادئ الحياد والاستقلالية، لكنها فضحت من كان يتعامل معها كشعارات لا كالتزامات. واليوم، أي حديث عن استعادة دور المجتمع المدني لا يمكن أن يتجاوز مراجعة صريحة لهذا الانهيار القيمي، وإعادة تعريف الحياد بوصفه موقفًا أخلاقيًا غير قابل للتجزئة، تزيين واكلشيهات  تنظيميًة يُستخدم عند الحاجة ويُعلّق عند الخطر او الانحياز اثنيا وجهويا وتنظيما ..الخ.”

هل ما زال مفهوم “الاستحقاق الإنساني” قائمًا على أساس الحاجة، أم أُعيد تعريفه بفعل الاصطفاف السياسي والجغرافي؟

بكل صراحة، لم يعد مفهوم “الاستحقاق الإنساني” في السودان قائمًا على أساس الحاجة كما يُفترض أخلاقيًا ومهنيًا، بل جرى إعادة تعريفه عمليًا وفق الاصطفاف السياسي والجغرافي والأمني. ما نشهده اليوم ليس خللًا عابرًا في توزيع المساعدات، بل انهيارًا صريحًا لمبدأ العدالة الإنسانية، وتحويل العمل الإنساني إلى أداة إدارة صراع لا أداة إنقاذ بشر.

في الواقع السوداني، خضعت غالبية المنظمات الوطنية — ناهيك عن الدولية — لمنظومة توجيه صارمة صادرة من بورتسودان، تفرض عليها قيودًا ذات طابع أمني واضح، لا علاقة لها بتقييم الاحتياجات أو حجم الكارثة الإنسانية. أصبحت الموافقات، والوصول، وحتى تعريف “من يستحق”، مرهونًا باعتبارات أمنية وسياسية، لا بمعايير إنسانية. وبهذا المعنى، لم تعد الحاجة هي التي تقود الاستجابة، بل الجغرافيا المسموح بها سياسيًا. أما المنظمات الدولية، فالوضع أكثر فداحة مما يُقال علنًا. هذه المنظمات تعمل اليوم تحت تهديد مباشر: إما الالتزام الصارم بالتوجيهات القادمة من بورتسودان، أو مواجهة سحب رخص العمل، أو إلغاء تأشيرات موظفيها الدوليين، أو التضييق الإداري المتعمد.
في ظل هذا المناخ القسري، يصبح الحديث عن “استقلال القرار الإنساني” أقرب إلى الوهم، ويتحوّل “الاستحقاق الإنساني” إلى معادلة خاضعة للابتزاز السياسي. النتيجة الفعلية لهذا الوضع كارثية. نحن أمام تشويه متعمّد لخريطة الاحتياج. فمثلًا، شهدت مناطق واسعة من كردفان ودارفور موجات نزوح تفوق عدديًا ما حدث في طويلة جراء الحرب في الفاشر، ومع ذلك جرى توجيه الجزء الأكبر من التمويل والاستجابة إلى مواقع بعينها، بينما تُرك مئات الآلاف من النازحين الآخرين في كردفان وأجزاء واسعة من دارفور خارج التغطية، خارج السردية، وخارج الضمير الإنساني.

«عندما تُدان الجرائم في مكان ويُصمت عنها في مكان آخر، يفقد الخطاب الحقوقي مصداقيته. هذا ليس حيادًا ولا حذرًا مهنيًا، بل انحياز مقنّع يزن الضحايا بميزان الجهة والانتماء.»

هذا ليس تقصيرًا تقنيًا.  هذا انحياز فجّ.  وهو يشكّل فضيحة إنسانية من الطراز الأول. حين يُكافأ موقع جغرافي لأنه “مسموح”، ويُعاقَب آخر لأنه “غير مرغوب أمنيًا”، فإننا لا نتحدث عن عمل إنساني، بل عن نظام توزيع غير عادل، غير أخلاقي، وغير مهني. نظام يُعيد إنتاج الظلم بدل معالجته، ويحوّل الضحية إلى رقم ثانوي إن لم يكن في المكان “الصحيح” سياسيًا.
في السودان اليوم، الاستحقاق الإنساني لم يعد حقًا قائمًا على الحاجة، بل امتيازًا يُمنح أو يُحجب.
وهذا الواقع، إن لم يُسمَّ باسمه، ويُواجه بشجاعة، سيُسجَّل في تاريخ هذه الحرب كأحد أكثر أشكال التواطؤ الإنساني فظاعة — لا بالصمت فقط، بل بإعادة هندسة الألم وفق خرائط السلطة.

ما الذي يكشفه التعامل الانتقائي مع الانتهاكات عن البنية الأخلاقية والمهنية لمنظمات المجتمع المدني؟

يكشف التعامل الانتقائي مع الانتهاكات عن انهيار عميق في البنية الأخلاقية والمهنية لقطاع واسع من منظمات المجتمع المدني. فعندما تُدان الجرائم في مناطق، ويُبرَّر الصمت عنها في مناطق أخرى، لا يكون ذلك حيادًا ولا حذرًا مهنيًا، بل انحيازًا مقنّعًا يفرغ الخطاب الحقوقي من معناه. هذا السلوك يفضح تحوّل بعض المنظمات من فاعل أخلاقي مستقل إلى فاعل انتقائي يزن الضحايا بميزان الجهة والتموضع، ويُخضع المبادئ لحسابات السلامة والامتياز. والنتيجة مجتمع مدني يفقد مصداقيته، ويشارك — عن قصد أو خوف — في إعادة إنتاج الظلم بدل مقاومته.

ويقدّم هذا النمط الانتقائي في الإدانة أوضح دليل على ذلك؛ إذ اختارت لجنة أطباء السودان تسليط الضوء على انتهاكٍ لم يرتكبه الجيش، بينما التزمت صمتًا كاملًا إزاء انتهاكات جسيمة موثّقة دوليًا ارتكبها الجيش نفسه. هذا السلوك لا يمكن تفسيره بخطأ مهني أو نقص في المعلومات، بل يعكس انتقائية واعية في توصيف الانتهاكات، وانحيازًا سياسيًا مقنّعًا بغطاء مهني.

وينسحب الأمر ذاته على عدد من المنظمات والواجهات التي تدعم الجيش عمليًا بدوافع جهوية وإثنية وتنظيمية وسياسية، لكنها تتخفّى تحت ستار العمل المدني والحقوقي. هذه الكيانات لم تعد تؤدي دور الرقابة الأخلاقية، بل تشارك في إعادة صياغة الحقيقة، وتبرير العنف، وتبييض الجرائم، ما يجعلها جزءًا من منظومة الصراع لا طرفًا مستقلًا في حماية المدنيين.

وعندما يصبح الصمت انتقائيًا، والإدانة مشروطة، يفقد المجتمع المدني جوهره، ويتحوّل من ضمير عام إلى أداة سياسية ناعمة تُستخدم لخدمة طرفٍ بعينه، على حساب الحقيقة والضحايا.

هل تحوّل الخطاب الحقوقي والنسوي في بعض السياقات إلى أداة إقصاء تُدار بلغة تقدمية؟

نعم، في بعض السياقات تحوّل الخطاب الحقوقي والنسوي من أداة تحرّر إلى أداة إقصاء ممنهجة، بل إلى أداة تجريم أخطر من الإقصاء نفسه. لم يعد هذا الخطاب يُستخدم للدفاع عن الحقوق بقدر ما يُستخدم لاحتكار الشرعية الأخلاقية، وفرض وصاية سياسية وأيديولوجية على المجال المدني.

تحت لافتات “التقدمية” و“النسوية” و“العدالة”، جرى احتكار الخطاب والتمويل، وتكوين لوبيهات مغلقة تُقصي وتُشيطن أي مؤسسة أو فاعل لا يدور في فلك تحالفاتها ذات الأبعاد الأيديولوجية والسياسية والجهوية والإثنية. هنا لا يُناقَش المختلف، بل يُجرَّم؛ لا يُفَنَّد موقفه، بل يُوسَم ويُخرَج من المجال العام.

«حين تتحول الحقوق والنسوية إلى هوية مغلقة، تُستخدم لإقصاء المختلف وتجريم المستقل، نكون أمام استبداد ناعم يُدار بلغة تقدمية، لا أمام مشروع تحرر أو عدالة.»

الأخطر أن هذا الإقصاء يُدار بلغة أخلاقية عالية النبرة، تُحوِّل الخلاف السياسي أو المهني إلى محكمة قيمية، حيث يصبح الاتهام بحد ذاته عقوبة: تجفيف تمويل، تشويه سمعة، إغلاق مساحات العمل، وقطع شبكات التضامن. وبهذا المعنى، لم يعد الخطاب الحقوقي أداة حماية، بل أداة ضبط وقمع ناعم تُعيد إنتاج السلطة داخل المجتمع المدني نفسه.

عندما تتحول النسوية والحقوق إلى هوية مغلقة لا إلى مبادئ مفتوحة، وعندما يُستخدم الخطاب التقدمي لإقصاء الضحايا المختلفين أو تجريم الفاعلين المستقلين، فإننا لا نكون أمام تقدم، بل أمام نسخة جديدة من الاستبداد… تُدار بلغة حديثة، وتُمارَس بأدوات أنعم، لكنها لا تقل خطورة.

كيف أثّر تركّز القرار والتمثيل داخل مجموعات محدودة على حياد ومصداقية العمل المدني؟

أدّى تركّز القرار والتمثيل داخل مجموعات محدودة إلى إفراغ حياد العمل المدني من مضمونه وضرب مصداقيته في الصميم. حين تحتكر دوائر ضيقة حق التحدث باسم “الضحايا” و“المجتمع المدني”، يتحوّل العمل المدني من فضاء عام مفتوح إلى نخبة مغلقة تُدير الخطاب والتمويل والتمثيل وفق مصالحها وتحالفاتها.

هذا التركّز خلق تشوّهًا بنيويًا: الضحايا يُنتقَون بدل أن يُمثَّلوا.، القضايا تُفلتر بدل أن تُعالج، والحقيقة تُدار بدل أن تُقال.

ومع غياب التعدد والمساءلة، لم يعد الحياد موقفًا مبدئيًا، بل ادّعاءً يُستخدم لتبرير الإقصاء، ولم تعد المصداقية نابعة من الالتصاق بالناس، بل من القرب من مراكز النفوذ داخل وخارج المجال المدني. عشان كدة  لمن يُحتكر القرار، يفقد العمل المدني روحه، ويتحوّل من ضمير جماعي إلى منصّة نفوذ، ومن أداة حماية إلى جزء من معادلة الهيمنة التي يدّعي مقاومتها.

إلى أي مدى لعب التمويل دورًا حاسمًا في توجيه أولويات المجتمع المدني بعيدًا عن المبادئ المعلنة؟

لعب التمويل دورًا حاسمًا وخطيرًا في انحراف أولويات قطاع واسع من المجتمع المدني، إلى درجة تحوّله من وسيلة دعم إلى أداة فرض ولاء وانضباط سياسي وأيديولوجي. لم تعد الحاجة الإنسانية هي التي تقود الاستجابة؛ بل جرى إعادة هندسة الاحتياج نفسه وفق مصالح الممولين وشبكات نفوذهم.

دارفور تقدّم الدليل الأوضح. ففي ملف دعم غرف الطوارئ، صدرت انتقادات وبيانات علنية من غرف الطوارئ ذاتها ضد جهات ممولة — من بينها P2P — تتهمها بالانحياز، وبممارسات إقصائية قد تصل حدّ العنصرية في تحديد من يُدعم ومن يُهمَّش. هذا ليس خلافًا تقنيًا؛ إنه تدخل مباشر يضرب البنية المحلية للاستجابة ويُخضعها لإرادة الممول.

المشهد يتكرر مع منظمات نافذة يرتبط بعض قادتها بتحالفات سياسية مثل تحالف صمود وغيرها، حيث يُستخدم التمويل: لفرض الصمت على انتهاكات “غير مرغوب” في تسميتها، لغضّ الطرف عن ممارسات بعينها، ولتعزيز نفوذ مؤسسين تمهيدًا لأدوار سياسية لاحقة.

«التمويل تحوّل من أداة دعم إلى وسيلة ضبط. من يلتزم بالصمت يُموَّل، ومن يخرج عن الرواية المقبولة يُجفَّف ويُشيطن. هذه ليست أزمة موارد، بل أزمة أخلاق تُفرغ المجتمع المدني من معناه.»

بهذا المعنى، لم يعد التمويل دعمًا للعمل المدني، بل أداة لإعادة تشكيل المشهد المدني: من يلتزم بالأجندة يُموَّل، ومن يخرج عنها يُجفَّف ويُشيطَن. النتيجة عمل مدني مشروط، غير عادل، وغير أخلاقي، يُدار بمنطق الولاء لا بمنطق الحاجة.

أما المنظمات التابعة لسلطة بورتسودان وتنظيم الإخوان، فالمسألة هنا تسييس كامل ومكشوف. هذه ليست مؤسسات إنسانية مستقلة، بل أذرع ناعمة للسلطة والتنظيم تُستخدم لإدارة الصورة، وتبييض الانتهاكات، وإعادة إنتاج خطاب الحرب بواجهة إغاثية زائفة. التمويل هنا آلية ضبط وسيطرة: من يلتزم بخط السلطة تُفتح له الأبواب، ومن يخالف يُحاصر ويُقصى—even في قلب الكارثة.

الأخطر أن هذه المنظمات احتكرت التمثيل وقدّمت نفسها دوليًا بوصفها “المجتمع المدني الشرعي”، بينما تُقصي الضحايا الحقيقيين وتُعيد ترتيب الأولويات بما يخدم بقاء السلطة ونفوذ التنظيم. هكذا يتحوّل العمل المدني من مساحة مساءلة إلى أداة شرعنة، ومن حماية للمدنيين إلى غطاء سياسي. عشان كدة  في هذا النموذج، التمويل لا يشتري خدمات إنسانية؛ يشتري الصمت، ويشتري الاصطفاف، ويشتري رواية واحدة. هذه ليست أزمة تمويل، بل أزمة أخلاق كاملة تُفرغ فكرة المجتمع المدني من معناها، وتضعه — بوعي أو خوف — في صفّ السلطة ضد المجتمع الذي يُفترض أن يدافع عنه.

هل يمكن الحديث عن “شرعية انتقائية” تُمنح وتُسحب للعمل المدني وفق شبكات نفوذ لا وفق معايير مهنية واضحة؟

نعم، يمكن الحديث اليوم وبلا مواربة عن “شرعية انتقائية” تُمنح وتُسحب للعمل المدني وفق شبكات نفوذ لا وفق معايير مهنية واضحة أو مبادئ إنسانية ثابتة. هذه الشرعية لم تعد نتاج الالتزام بالقانون أو الحياد أو الكفاءة، بل أصبحت عملة سياسية تُدار عبر علاقات القوة، والتموضع الجغرافي، والولاء الأيديولوجي.

في هذا السياق، تُمنَح الشرعية لمن ينسجم مع الخط السائد، ويصمت عمّا لا يُراد تسميته، ويُعيد إنتاج الرواية المقبولة. وتُسحَب من كل فاعل مستقل يحاول كسر هذا الاحتكار، حتى لو كان أكثر التصاقًا بالضحايا وأكثر التزامًا بالمعايير. وهكذا لا يُقيَّم العمل المدني بما يقدّمه، بل بمن يقف خلفه ومن يحميه.

الأخطر أن هذه الشرعية الانتقائية تُغلف بلغة مهنية: “الامتثال”، “التنسيق”، “إدارة المخاطر”، بينما هي في جوهرها آلية إقصاء وضبط تُحوّل المجتمع المدني إلى مساحة مغلقة تُدار من أعلى، وتُقصي الأصوات المستقلة، وتُعيد إنتاج السلطة داخل المجال المدني نفسه.
عندما تصبح الشرعية امتيازًا تُحدده شبكات النفوذ، لا حقًا تُؤسسه المعايير، يفقد العمل المدني استقلاله، وتتحول “الشرعية” من ضمانة أخلاقية إلى أداة هيمنة تُستخدم لإسكات المختلفين، لا لحماية المدنيين.

ما خطورة استخدام أدوات الدولة والإجراءات الإدارية لإقصاء أو تعطيل منظمات مدنية مستقلة؟

استخدام أدوات الدولة والإجراءات الإدارية لإقصاء أو تعطيل منظمات مدنية مستقلة هو انحراف خطير يحوّل القانون من إطار تنظيمي إلى سلاح سياسي ناعم. عندما تُستَخدم التصاريح والتراخيص والمنع الإداري لمعاقبة الاستقلال، تُجرَّم المبادئ ويُكافأ الولاء.

خطورة هذا المسلك أنه:

  • يخنق الحقيقة عبر إسكات الجهات التي توثّق الانتهاكات بلا انتقائية، ما يفتح الباب لتبييض الجرائم.
  • يفكك الثقة العامة حين يرى المواطن أن من يعمل لأجله يُقصى باسم “الإجراءات”.
  • يحوّل العمل المدني إلى ساحة ابتزاز بدل أن يكون شريكًا في حماية المدنيين.

الخلاصة: هذا النهج لا يحمي النظام العام ولا السيادة؛ بل يهدمهما. وهو مسار يقود إلى سلطة بلا رقابة، واستقرار زائف، وتجفيف الضمير العام—وهي وصفة مؤكدة لمزيد من العنف والفوضى.

«لا يمكن استعادة دور المجتمع المدني دون قطيعة صريحة مع السلطة والتمويل المشروط. إما استقلال حقيقي بكلفة أخلاقية عالية، أو مجتمع مدني مُدجَّن يُستخدم بلغة الحقوق ضد أصحابها.»

من يراقب المجتمع المدني عندما يفقد حياده، وما هي آليات المحاسبة الممكنة في سياق حرب؟

في سياق الحرب، يكاد يغيب الرقيب حين يفقد المجتمع المدني حياده. تعدد السلطات، الإفلات من العقاب، والاستهداف المباشر يحوّلون المراقبة من وظيفة مؤسسية إلى مخاطرة وجودية. وعندما ينخرط فاعلون مدنيون بأجندات سياسية وجهوية وإثنية، لا تعود هناك جهة واحدة قادرة على المحاسبة، بل تتفكك منظومة المساءلة نفسها.

في هذا الفراغ، لا تبقى سوى ثلاث آليات ممكنة وإن كانت ناقصة ومكلفة:

  1. المساءلة الأخلاقية العلنية عبر كشف التناقضات والانتقائية أمام الرأي العام.
  2. شبكات رقابة مستقلة ولا مركزية يقودها فاعلون محليون عابرون للتحالفات.
  3. ضغط المانحين والمعايير الدولية حين تُربط الموارد بالالتزام الحقيقي بالمبادئ لا بالاصطفاف.

ولمن يغيب الحياد وتنهار المحاسبة، يصبح السؤال ليس من يراقب المجتمع المدني؟ بل من يجرؤ على قول الحقيقة؟ وفي زمن الحرب، قد تكون الحقيقة هي آخر آلية مساءلة متبقية—مكلفة، لكنها ضرورية.

كيف انعكس هذا الخلل البنيوي على ثقة المجتمعات المتضررة في العمل الإنساني والحقوقي؟

انعكس هذا الخلل البنيوي على ثقة المجتمعات المتضررة بصورة مدمّرة. لم تعد هذه المجتمعات ترى في العمل الإنساني والحقوقي مساحة حماية أو إنصاف، بل منظومة مفروضة تتعامل معها لأنها بلا بدائل. المجتمع اليوم مغلوب على أمره؛ يقبل الإملاءات، ويتكيّف مع تشوّهات المنظومة، لا ثقةً بها بل اضطرارًا للبقاء.

في هذا السياق، انتشرت ممارسات خطيرة: تزوير شهادات وتقارير لتعزيز فرص التمويل، ابتزاز مستفيدين تحت ضغط الحاجة، وفرض ولاءات جهوية وقبلية وسياسية داخل برامج يُفترض أنها إنسانية. ومع تضييق الخيارات، يصبح الصمت ثمنًا للخدمة، والامتثال شرطًا للمساعدة.

الأخطر أن هذا الانحراف لم يظل إداريًا فحسب، بل تسلل إلى سلوك بعض الموظفين الوطنيين الذين مارسوا ضغوطًا لصالح أجندات تنظيمية وجهوية، ووصل الأمر في حالات موثقة إلى التواصل مع جماعات متطرفة، ما ينسف أي ادعاء بالحياد ويحوّل العمل الإنساني إلى ساحة اختراق.
هذا الخلل لم يُضعف الثقة فقط؛ كسرها. وحين تفقد المجتمعات ثقتها، لا يعود العمل الإنساني شريكًا في الحماية، بل منظومة يُتعامل معها بحذر وخوف—وهي أخطر نتيجة يمكن أن تصل إليها أي استجابة إنسانية.

ما الشروط العملية لإعادة بناء مجتمع مدني مستقل يكون أداة لحماية الحقوق لا آلية للضبط والإقصاء؟

إعادة بناء مجتمع مدني مستقل في سياق حرب لا تبدأ بالشعارات، بل بشروط قاسية وواضحة تُعيد تعريف الدور والوظيفة. وأهم هذه الشروط هي:

  1. فكّ الارتباط السياسي والجهوي: لا استقلال دون قطيعة صريحة مع شبكات السلطة، والاصطفاف الجغرافي، والأجندات الأيديولوجية. أي تموضع سياسي مُسبق يُحوّل العمل المدني إلى أداة ضبط لا حماية.
  2. تحرير التمويل وربطه بالمعايير لا الولاءات: يجب كسر منطق التمويل المشروط بالصمت أو الاصطفاف، وبناء آليات تمويل شفافة تُكافئ الالتزام بالمبادئ، لا القرب من مراكز النفوذ.
  3. حوكمة داخلية صارمة ومساءلة حقيقية: مجتمع مدني بلا محاسبة داخلية يُعيد إنتاج الاستبداد بصيغة ناعمة. الشفافية، تداول القيادة، وآليات الشكاوى المستقلة ليست ترفًا.
  4. إعادة المركز إلى الضحايا والمجتمعات: لا تمثيل دون تفويض حقيقي من القاعدة. المجتمع المدني يُقاس بمدى التصاقه بالناس، لا بعدد بياناته أو قربه من المنصات الدولية.
  5. حماية الاستقلال المهني للعاملين: تحييد العمل الإنساني عن الضغوط الأمنية والتنظيمية، ومنع استغلال الموظفين كأدوات نفوذ أو ابتزاز.

فان اي مجتمع مدني يحمي الحقوق لا يُبنى بالتوافقات الهشّة، انما يقوم علي قاعدة صلبة ذات كلفة أخلاقية عالية. إما استقلال حقيقي يواجه السلطة والتمويل والاصطفاف، أو مجتمع مدني مُدجَّن يُدار بلغة الحقوق ويُستخدم ضد أصحابها.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!