
فيصل أبكر شرف
تمثل الازمة السودانية الراهنة حالة سيميولوجية معقدة في التاريخ السياسي المعاصر حيث لا تبدو الحرب مجرد عارض طارئ بل خيار استراتيجي تتبناه النخبة النيلية المهيمنة للحفاظ على المركزية القابضة ان المتامل في مسيرة الدولة السودانية منذ سودنة الوظائف في منتصف الخمسينيات يلحظ نمطا بنيويا ثابتا يتمثل في الرفض الممنهج لاي عقد اجتماعي شامل والاستعاضة عنه بانتاج جزر سلام معزولة وهشة عبر تكتيكات الاحتواء لا الحل
تاريخيا استثمرت النخب المركزية في خطاب هيبة الدولة ووهم الحسم العسكري كادوات للهروب من دفع فواتير التحول الديمقراطي وهذا التعنت ليس نابعا من قدرة واقعية على تصفية الخصوم فالتاريخ العسكري السوداني يثبت عجز المركز عن حسم اي صراع مطلبي بالسلاح بدءا من حركة انيانيا في جنوب السودان وصولا الى صراعات دارفور والمنطقتين ان الاصرار على الحسم العسكري هو في جوهره انكار سيكولوجي لندية الهامش فالجلوس على طاولة المفاوضات بقلب مفتوح يعني اعترافا ضمنيا بانتهاء عصر الامتيازات وهو ما يصطدم بنرجسية النخبة التي ترى في اطراف السودان مجالا حيويا للنهب لا شركاء في السيادة
اعتمدت النخبة النيلية في ادارتها للازمات على منهجية التجزئة الوظيفية فبدلا من مخاطبة جذور الازمة الوطنية المتعلقة بالهوية وتوزيع الموارد ونظام الحكم سعت الحكومات المتعاقبة الى خلق اتفاقيات ثنائية قاصرة تهدف الى تفتيت الكتلة تاريخية للهامش عبر شراء النخب المحلية بالمحاصصة السلطوية وكسب الوقت لترميم الصفوف العسكرية والسياسية للمركز مما يؤدي حتما الى تفريغ السلام من محتواه وتحويله من مشروع وطني الى صفقة وظائف تنتهي بتجدد دورات العنف
ما يميز حرب 15 ابريل عن سابقاتها هو تحولها من حرب في الاطراف الى حرب على المركز فقد نقلت الصراع من تخوم كادوقلي والفاشر الى قلب الخرطوم لتعصف باخر قلاع الاوليغارشية النيلية وتكشف عجزها الاستراتيجي واذا كانت النخب قد برعت سابقا في ادارة الحروب بالوكالة او بعيدا عن الحزام الاخضر للمركز فان هذه الحرب قد اسقطت القناع السيادي تماما ولم تعد اساليب التسويف والتمنع التي مورست في نيفاشا او ابوجا تجدي نفعا امام واقع ميداني يفرض معادلة الوجود او الفناء
اننا اليوم امام لحظة الحقيقة التي تعلن موت الجمهورية الاولى بكل ارثها القائم على الهيمنة والاقصاء حيث لم يعد هناك مجال لترميم ذلك النموذج النيلي القديم الذي اقعد الوطن لاكثر من ستة عقود ان دماء الحرب وتضحيات الهامش تفرض اليوم ضرورة القطيعة المعرفية والسياسية مع الماضي لفتح الطريق امام احياء الجمهورية الثانية التي تولد من رحم التعدد والعدالة ان احياء الجمهورية الثانية ليس مجرد شعار سياسي بل هو انبعاث لروح الامة السودانية وتجاوز لعقود التيه ليتأسس سودان جديد على انقاض مركزية الخرطوم حيث لا مكان فيه للمناورات او ادعاءات التفوق الزائفة ان السلام القادم لن يكون منحة من المركز بل فرضا واقعيا يؤسس لدولة المواطنة المتساوية التي تتسع للجميع دون وصاية وتصبح فيها الدولة ملكا لمواطنيها لا اقطاعية لنخب ادمنت الفشل




