
أبو عبدالله الراشدي
في كتم، لم يكن المساء مختلفاً عن غيره من أمسيات الفرح السوداني؛ أصوات الزغاريد تعلو، ووجوه الأطفال تلمع ببراءة، والقلوب تنبض بحلمٍ صغير اسمه “الحياة”. لكن السماء، التي اعتاد الناس أن ينظروا إليها طلباً للمطر والرحمة، انقلبت فجأة إلى مصدر موتٍ مباغت، حين اخترقها صوت طائرة مسيّرة، لتسقط بعدها لحظات الفرح في هاوية الفاجعة.
ما حدث في حيّ السلامة ليس مجرد حادثة قصف عابر، بل لحظة كاشفة لوجه حربٍ فقدت كل ضوابطها الأخلاقية والإنسانية. أن يُستهدف تجمع مدني في مناسبة زفاف، فهذا يعني أن حدود الحرب قد تلاشت، وأن المدني لم يعد خارج دائرة النار، بل أصبح في قلبها.
في لحظات معدودة، تحوّل العرس إلى مأتم. أطفال كانوا يركضون بمرح، صاروا ضمن قوائم الضحايا. نساء كنّ يشاركن في صناعة الفرح، أصبحن جزءاً من مشهد الألم. رجال حاولوا إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وجدوا أنفسهم يواجهون كارثة تفوق قدرتهم. هذه ليست مجرد أرقام تُسجَّل في تقارير، بل أرواحٌ كانت تنبض، وأحلامٌ كانت تُبنى، ثم انتهت تحت ركام ضربة جوية.
المقلق في الأمر أن ما جرى في كتم لا يبدو استثناءً، بل حلقة في سلسلة تتكرر بوتيرة متصاعدة. الطائرات المسيّرة، التي يفترض أن تكون أدوات دقيقة في الحروب الحديثة، تحولت في هذا السياق إلى سلاحٍ يزرع الرعب في المناطق المدنية. ومع كل ضربة، يتآكل ما تبقى من ثقة الناس في أي معنى للأمان.
الحرب، في أبسط تعريفاتها، يفترض أن تدور بين أطراف مسلحة، لكن ما نشهده اليوم يتجاوز ذلك بكثير. نحن أمام واقعٍ تُستهدف فيه الأسواق، والمستشفيات، ومناسبات الفرح، وكأن الرسالة المراد إيصالها هي أن لا مكان آمناً في هذا البلد. هذا التحول الخطير لا يعكس فقط تصعيداً عسكرياً، بل انهياراً في القيم التي تحكم النزاعات.
من زاوية قانونية، فإن استهداف المدنيين يشكل خرقاً واضحاً لمبادئ القانون الدولي الإنساني، وعلى رأسها مبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين. لكن المشكلة لا تكمن فقط في النصوص، بل في غياب الإرادة لتطبيقها. فكم من حادثة موثقة مرّت دون تحقيقٍ جاد؟ وكم من ضحية سقطت دون أن يُسأل أحد؟
الإدانات التي صدرت عقب الحادثة، رغم أهميتها، تظل غير كافية ما لم تُترجم إلى خطوات عملية توقف هذا النزيف. فالمجتمع المدني، والقوى السياسية، وحتى المنظمات الدولية، جميعها تدرك خطورة المسار الذي تنزلق إليه البلاد، لكن الإدراك وحده لا يغيّر الواقع ما لم يقترن بالفعل.
الأخطر من ذلك أن استمرار هذه الهجمات يترك آثاراً عميقة على النسيج الاجتماعي. حين يصبح الخوف جزءاً من الحياة اليومية، وحين تُربّى الأجيال على مشاهد الموت بدلاً من الأمل، فإننا لا نخسر الحاضر فقط، بل المستقبل أيضاً. فالحروب لا تنتهي عند توقف إطلاق النار، بل تمتد آثارها لعقود في شكل انقسامات وندوب يصعب التئامها.
كتم اليوم ليست مجرد مدينة منكوبة، بل مرآة تعكس حال وطنٍ يتآكل من الداخل. وما لم يتم كسر هذه الدائرة، فإن ما حدث هناك قد يتكرر في أماكن أخرى، بأسماء مختلفة ووجوه جديدة، لكن بذات الألم.
في النهاية، تبقى الحقيقة الأكثر قسوة أن الضحايا في هذه الحرب ليسوا فقط من يسقطون تحت القصف، بل كل من يُجبر على العيش في ظل خوفٍ دائم، وكل من يفقد إيمانه بإمكانية أن يكون الغد أفضل. وبينما تستمر الحرب في حصد الأرواح، يظل السؤال معلقاً: كم من الأعراس يجب أن تتحول إلى مآتم قبل أن يدرك الجميع أن هذه الطريق لا تقود إلا إلى الخراب؟
الراشدي




