تهديدات ما قبل معبر كرب التوم: الحركات المسلحة بين الارتزاق الإقليمي ورسائل القاهرة عبر الحدود
عمار سعيد

عمار سعيد
لم يكن الهجوم على معبر كرب التوم الحدودي حدثًا معزولًا عن سياقه، بل حلقة ضمن سلسلة تحركات مريبة سبقتها تهديدات غير مباشرة، وتزامنت مع إعادة تموضع للحركات المسلحة التي جرى طردها من إقليم دارفور، وتضييق الخناق عليها داخل تشاد. السؤال المركزي اليوم: هل نشهد تحوّل هذه الحركات إلى أدوات ارتزاق عابرة للحدود تُدار من غرف إقليمية؟ أم أن ما جرى رسالة سياسية/أمنية موجّهة عبر الساحة الليبية، وتحديدًا باتجاه الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، ضمن لعبة ضغط تقودها القاهرة في مسار الحرب السودانية؟
أولًا: الحركات المسلحة بعد دارفور… من الحاضنة المحلية إلى السوق الإقليمي
بطرد الحركات المسلحة من دارفور—حاضنتها الاجتماعية والتاريخية—فقدت هذه التشكيلات مصدر شرعيتها ومواردها البشرية. ومع تشديد الجيش التشادي قبضته على الحدود، لم يتبقَّ أمامها سوى الانزلاق نحو اقتصاد العنف:
• الارتزاق وتنفيذ مهام أمنية لصالح أطراف إقليمية.
• التنقّل الحدودي واستغلال فراغات السيطرة في الجنوب الليبي.
• تدوير العداء وفق الطلب، لا وفق قضية وطنية.
هنا، تتحول الحركات من فاعل سياسي محلي إلى مخلب قط يُستخدم عند الحاجة، ويُرمى عند انتفاء الغرض.
ثانيًا: الجنوب الليبي… البيئة المثالية لإعادة التدوير
يمثل الجنوب الليبي مساحة رخوة أمنيًا، تتقاطع فيها شبكات التهريب والسلاح والمرتزقة. هذه البيئة تتيح:
• إعادة تموضع سريع للحركات المطرودة.
• ضغطًا غير مباشر على الجيش الوطني الليبي دون مواجهة مباشرة.
• منصة لإرسال رسائل إقليمية بأقل كلفة سياسية.
ليس مستبعدًا أن يُستثمر وجود هذه الحركات كورقة ابتزاز أمني تُلوَّح بها حينًا وتُفعَّل حينًا آخر.
ثالثًا: القاهرة… دعم “المؤسسات” أم إدارة الخنق الحدودي؟
تُقدّم القاهرة خطابًا ثابتًا عن “دعم مؤسسات الدولة السودانية”. غير أن الوقائع على الأرض تُظهر مسارًا موازيًا يقوم على خنق المنافذ التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع، خصوصًا في المثلث الحدودي (السودان–ليبيا–تشاد).
هذا المسار يهدف إلى:
• تجفيف الموارد والضغط اللوجستي.
• توسيع نطاق الصراع إلى ساحات حدودية.
• تدويل الاشتباك دون تحمّل كلفة التدخل المباشر.
في هذا السياق، تصبح الحركات المسلحة أداة تشغيلية، لا طرفًا مستقلًا.
رابعًا: الرسالة إلى حفتر… توازنات دقيقة
إذا كان الجنوب الليبي مسرحًا، فإن الرسالة الأبرز قد تكون موجهة إلى حفتر:
• إمّا التعاون في تضييق الخناق على خطوط الدعم والعبور.
• أو تحمّل تبعات سيولة أمنية قد تلامس مناطق نفوذه.
إنها سياسة العصا والجزرة عبر وكلاء غير رسميين، تحفظ للقاهرة هامش الإنكار، وتُبقي الضغط فعّالًا.
خامسًا: تداعيات إقليمية خطِرة
تحويل الحركات المسلحة إلى أدوات ارتزاق عابر للحدود يحمل مخاطر جسيمة:
1. تقويض الاستقرار الإقليمي في السودان وليبيا وتشاد.
2. تطبيع العنف بالوكالة كوسيلة سياسة.
3. فتح أبواب صراعات جديدة تتجاوز السيطرة الوطنية.
والأخطر، أن هذا المسار يخلق سابقة: أي فاعل مسلح مطرود محليًا يمكن إعادة تدويره إقليميًا.
الهجوم على معبر التوم ليس سوى عرضٍ لمرضٍ أعمق: إدارة الصراعات عبر الوكلاء، وخنق الخصوم بالمنافذ بدل تسوية سياسية شاملة. ما لم يُكبح هذا النهج، فإن المنطقة مقبلة على تصعيد حدودي مزمن، تتبدل فيه الأدوات وتبقى الأجندات. الاستقرار لا يُبنى بتدوير الحركات، ولا بحصار المنافذ، بل بإعادة تعريف السياسة خارج منطق الارتزاق والرسائل الأمنية.




