
السفير عادل إبراهيم مصطفي
في سياق نقاشات عامة متزايدة حول دور الجيوش في الاقتصاد، اطّلعتُ على تسجيلٍ مصوَّر متداول في وسائل التواصل الاجتماعي تناول مسار هيمنة الجيش على الاقتصاد في مصر، وتطوّره منذ الانقلاب العسكري الأول عام 1953. وقد بيّن التسجيل كيف انتهت عملية عسكرة الاقتصاد إلى سيطرة شبه كاملة للمؤسسة العسكرية على مفاصل النشاط الاقتصادي، بحيث حلّ الجيش عمليًا محلّ القطاع الخاص في إدارة نطاق واسع من الأنشطة، وعلى رأسها القطاعات المنتِجة مثل الزراعة، والتعدين، والبناء والتشييد، والمسالخ، فضلًا عن تمدّد نشاطه إلى مجالات خدمية واستهلاكية كالفنادق وصالات الأفراح وغيرها.
هذا التمدّد لم يكن بلا ثمن؛ إذ أسفر عن أزمات هيكلية عميقة، بوصفها نتيجة طبيعية لتحوّل ضباط الجيش إلى شخصيات مال وأعمال، في ظل غياب الشفافية والرقابة، وإلغاء مبدأ المنافسة العادلة، وطرد القطاع الخاص الحقيقي من السوق. وهو ما فتح الباب واسعًا أمام الفساد، وشرعن الاستحواذ على موارد الدولة تحت غطاء «القوات المسلحة». وقد تمثّلت أبرز إفرازات هذه الأزمات في تراجع الكفاءة الإنتاجية، ومن ثمّ التوسّع في الاقتراض الداخلي والخارجي، وما ترتّب على ذلك من تفاقم عجز الموازنة، واستنزاف العملات الصعبة دون مردود تنموي مستدام، إلى جانب ارتفاع معدلات التضخّم، واتّساع دائرة الفقر، وتراجع الخدمات العامة. وباختصار، لم يعد الجيش المصري مجرّد فاعل اقتصادي نافذ وكيان فوق المساءلة، بل تحوّل إى «دولة داخل الدولة»، أو بالأحرى دولة فوق الدولة.
وبطبيعة الحال، فإن هذا النموذج المصري في عسكرة الاقتصاد شأنٌ يخصّ الدولة المصرية، ولا يعنينا لولا أنّه لم يبقَ حبيس الجغرافيا المصرية، بل عملت القاهرة على نقله إلى السودان منذ عهد الرئيس السوداني الأسبق المشير جعفر نميري، الذي بدأ أولى خطوات عسكرة الاقتصاد في مطلع ثمانينيات القرن الماضي بإنشاء ما عُرف باسم «الهيئة العسكرية الاقتصادية». ثم تطوّر المشروع تدريجيًا ليصل إلى ما نشهده اليوم من تحوّل الجيش إلى فاعل اقتصادي مهيمن على حساب القطاع الخاص، ومسيطراً على العديد من القطاعات الإنتاجية والمؤسسات الحكومية التي توفّر خدمات أساسية، كقطاع الطيران المدني والاتصالات وغيرها.
لقد جرى نقل نموذج عسكرة الاقتصاد إلى السودان في إطار العلاقة الخاصة التي بنتها القاهرة مع المؤسسة العسكرية السودانية، بهدف توظيفها كحارسٍ للمصالح المصرية وضامنٍ لهيمنة القاهرة على القرار السياسي في الخرطوم.
وفي هذا السياق، سعت القاهرة إلى بناء جيش سوداني على شاكلة الجيش المصري: مؤسسة عسكرية–اقتصادية مهيمنة، تحتكر السلاح والثروة والقرار في آنٍ واحد، بحيث لا تكتفي بالسيطرة على المجال العسكري، بل تتمدّد إلى قلب الاقتصاد المدني. وقد حقّقت مصر نجاحًا معتبرًا في هذا المسعى. فقد تمدّد الجيش السوداني في مجالات الاقتصاد المدني، وتولّى عمليًا معظم أنشطة القطاع الخاص، في الوقت الذي كان يبتلع فيه أكثر من 80% من ميزانية الدولة، كما كشف رئيس وزراء حكومة الثورة، الدكتور عبد الله حمدوك.
ويُفسّر هذا الواقع، إلى حدٍّ بعيد، تمسّك مصر بالحكم العسكري في السودان. إذ تبذل القاهرة جهودًا مستميتة للحفاظ على الجيش السوداني بصورته الراهنة، بوصفه – وفق الخطاب الرسمي المصري – «مؤسسة وطنية». غير أنّ هذا الحرص ليس بريئًا ولا محايدًا، بل يرتبط مباشرة بضمان الهيمنة على القرار السوداني، وتمرير الإرادة المصرية في ملف مياه النيل، فضلًا عن استنزاف الموارد السودانية المعدنية والزراعية والحيوانية، وضمان صمتٍ رسمي سوداني إزاء الأراضي السودانية التي تحتلّها مصر.
ومع ذلك، ورغم هذا السعي الحثيث، فإن نقل النموذج المصري إلى السودان يصطدم بعوائق بنيوية عميقة. إذ تبدو قدرة القاهرة على استنساخ التجربة المصرية محدودة ومقيَّدة بعوامل موضوعية، تجعل قدرة الجيش السوداني على إحكام سيطرة شبه كاملة على الاقتصاد موضع شكوك جدّية. فالسودان يختلف بنيويًا عن مصر من حيث التنوع الإثني والثقافي، وتاريخ الحروب الأهلية الممتدّة منذ عام 1955، وصولًا إلى الحرب الراهنة التي يخوضها الجيش ضد قوّة عسكرية سودانية موازية خرجت من رحمه، وهي تعقيدات لم تعرفها الدولة المصرية الحديثة.
وفضلًا عن ذلك، كشفت الحرب الحالية عن فقدان الجيش السوداني لاستقلالية قراره، وارتهانه السياسي لتنظيم الحركة الإسلامية، ما جعله أقرب إلى كونه الجناح المسلّح للإخوان المسلمين، لا جيشًا وطنيًا مهنيًا. هذا الواقع هو ما دفع القوى المدنية السودانية الفاعلة إلى المطالبة بإصلاح عسكري جذري، يقوم على تفكيك الدولة العسكرية، وبناء جيش وطني مهني واحد، لا علاقة له بالسياسة ولا بالاقتصاد.
ختامًا، يمكن القول إن عسكرة الاقتصاد ليست مجرّد خلل إداري أو انحراف اقتصادي، بل هي جوهر الأزمة السودانية وأحد أعمدة انهيار الدولة. فلا دولة مدنية تنعم بالحرية والسلام والعدالة مع جيشٍ تاجر، ولا تنمية مع مؤسسة عسكرية تبتلع الميزانية وتنافس القطاع الخاص في الاستحواذ على القطاعات الاقتصادية المدنية وإدارتها، ولا سيادة وطنية مع اقتصاد خاضع لجنرالات خارج المساءلة.
إن بناء سودان ما بعد الحرب يقتضي فكّ الارتباط الكامل بين السلاح والثروة، وإخضاع جميع الأنشطة الاقتصادية لسلطة مدنية منتخبة، وقوانين شفافة، ورقابة مستقلة. كما يقتضي تفكيك نموذج «الدولة داخل الدولة» بشقّيه: المستورد من التجربة المصرية، والنابع من تحالف العسكر والإسلاميين في الداخل.
السودان لا يحتاج إلى استنساخ نماذج الهيمنة العسكرية، بل إلى تأسيس دولة مدنية حديثة، يكون فيها الجيش مؤسسة مهنية لحماية الحدود والدستور، لا لاعبًا سياسيًا ولا إمبراطورية اقتصادية. تلك هي المعركة الحقيقية، وتلك هي بوابة الخروج من الحرب والانهيار إلى أفق دولة القانون والمواطنة.




