
سيف الدين صالح هارون
بالطبع لا اريد ان أنكى الجرح القديم مرة اخري حول جرم ابناء الفراعنة التاريخي تجاه السودان والسودانيين تاريخيا فالجرح اظنه غائرا ولا يحتاج منا لأن نزكر القائمين علي الأمر سواء بشمال الوادي وجنوبه بذلك فإنهم بالطبع يدرون ويدرون انهم يدرون ولا يدرون اننا ندري بانهم يدرون بل والعالم جله يدري ما الذي يدور . ولكن الجديد هذه المرة أن شكل الجريمة كان مختلفا في شكل الجريمة وشكل التنفيذ الذي بلغا حدا في الفجور في الخصومة التي تعدت مستوي الحد الادني من المفاهيم الاخلاقية العرفية التي تعارفت عليها الأنظمة الحاكمة هنا وهناك ، ولحساسيّة الأوضاع الأمنية والسياسية الاقتصادية للمصريين المرتبطة ديناميكا بالعمق السوداني كانت الأجهزة الأمنية المصرية تتعامل مع السودانيين الموجودين باراضيها بنوع من الحساسية المفرطة للحفاظ علي أشكال العلاقات التي تقوم علي مفهوم المصلحة وكثيرا ما كانت تتقاضي عن الكثير من التجاوزات التي يقوم بها بعض النشاز من السودانيين الذين تعتبر ارض مصر بالنسبة لهم بمثابة الملجأ الطبيعي وفي اذهانهم أشكال العلاقات التي تؤيدها اتفاقيات كانت تجري ما بين حكومات الدولتان . وآخرها كانت اتفاقية الحريات الأربعة والتي ألقيت في فترة ما ابان نهايات حكم الانقاذ . وبموجب تلك الاتفاقية وبعد قيام حرب ( النظام مع حليفه قوات الدعم السريع ) والتي كان من أهدافها المواطن وممتلكاته وإفراغ العنصر البشري من خلال ظاهرة النزوح واللجوء القسري والتي كان لمصر نصيب الأسد فيها ؛ كان من الطبيعي لان يلجأ الملايين من السودانيين والسودانيات من العسكر والمدنيين والسياسيين .. الخ . وقد لعبت السلطات المصرية دورا خبيثا في تهيئة كل الظروف لهم ليلجأوا لها ليس حبا في سوار أعيننا وبشرتنا وانما الاستفادة القصوي من (الاستثمار ) في اكبر حالة نزوح ولجوء بشري إنساني في تاريخ السودانيين خارج تراب ارضهم لأول مرة نتاج حرب تدار خيوطها بكل اسف من دول جوار كنا نعتقد واهمين بأن تربطنا بهم وحدة الاعتقاد والتاريخ والجيرة والمصير ؛ ومنها ارض بلاد (كميت – مصر ) مهد اجداد الفراعنة التي لم نسلم من شرور اطماعهم الي هذا الحين .وقد مكنت هذه الهجرات الجماعية اجهزة النظام المصري في ان يوظف هذا الكم البشري المهيب لحلحلة الكثير من إشكالاته الاقتصاديه وتوظيف إمكانيات وميزانية المؤسسات والمنظمات الإنسانية العالمية الموجودة باراضيها لاستغلال هذا الوضع المزري للاجئين السودانين في اسوأ حالات الاستغلال اللاإنساني ؛ بل وضع الكثيرين منهم ممن هربوا في حالات نزوح جماعي خارج اطر الاجراءات القانونية التي تقتضيها ظروف الهجرة مستقلين ( فرية وهم الاتفاقيات الموقعة بين أنظمة السودان ومصر التي كانت اكبر متذوق صدقه الأبرياء من السودانيين ؛ فكانت الثقرة القانونية التي لعب علي أوتارها ابناء الفراعنة في استغلالها لتعميق جراح ومآسي السودانيين اللاجئين وظل هذا الوضع هو الرهان السياسي الذي يلعب عليه النظامان بالقاهرة وبورتسودان بين كل فينة والحين إلا ان وصل الي أسوأ حالاته الحالية عندما دخلت مصر في لعب دور الوسيط السياسي في الأزمة السودانية من خلال مشروع الرباعية المخزيئ الذي جمع ما بين الضحية والجلاد وهو في الاساس ليس سوي لعبة سياسية قذرة قصد من خلالها توطيد وتقنين قبضة المتسببين في الصراع وجعلهم الحاكمين والمحكمين المتحكمين . فكيف لنا ان نتستغرب فيما حدث للسودانيين في مصر وهي التي تتوهم بقناعات ثابتة راسخة عبر حقب التاريخ – ويصدقها بعض السياسيين من السودانيين – بان من يقطنون جنوب أسوان من شعوب وأرض تخصهم ونيل يجري علي سهلها الخصب هي ؛ بمثابة منة وهبة تاريخية يجب ان تصب في دلتا مصر الي ان تقوم الساعة كما يتوهمون ويزعمون .أليست مصر وحكامها هم الذين شيدوا مشاريع ضخمة علي مجري نهر النيل ( كالسد العالي / مروي / كاجبار / الشريك ) خصما علي تاريخ شعوب سودانية كنوبة الشمال بحلفا – المناصير . أوليس نظام مصر من قام باحتلال (حلايب وأبو رماد وشلاتين ) وهي الان تحت استعماره بكل استفزاز ولا أحد يجرؤ من الحاكمين بالخرطوم حتي من ان يشير الي ذلك او إثارته او مناقشته في كل ما يدور من أمور تهم البلدين!!! وهل يجرؤ الملايين من السودانيين اللاجئين الموجودين حاليا في مصر من إثارة هذا الموضوع ؛ رغم ما حدث ويحدث لهم من اذلال وتحطيم ؟ اذن لماذا البكاء والنحيب والولولة والاستغراب لما يحدث لكم في مصر سواء كنتم لاجئين او مسؤلين رسميين او دبلوماسيين او سياسيين او معارضين سودانيين بالملايين ما زلتم راضين لما يحدث لكم هناك ؟ فلا اري أي مبرر لتلك الإحتجاجات الواهية ؛ (فإن من يهن يسهل الهوان عليه ) فليس لكم سوي القبول بالأمر الواقع وتعيشون أذلاء خاضعين مكسورين ؛ أو الخيار الثاني الأصعب والأمر (بإتخاذ قرار العودة الطوعية وانهاء حالة الذل والتبعية تلك ) وبعدها لكل ووضع حد لحالة استمراء واستمرار حالة (التبعية تلك بفك ذلك الارتباط المهين المشين بتحقيق الاستقلال الحقيقي للإرادة الوطنية السودانية بالتخلص من حالة الاستعمار التاريخي الذي اضحي حالة نفسية تسيطر علي عقلية العديد من القيادات السياسية والاجتماعية والثقافية والفكرية التي ارتبطت بالأنظمة المصرية علي مر العصور. ولنجعل من الأزمة الراهنة والجريمة التي ترتكب في حق السودانين بمصر هي المفتاح المخلص لنا من هذه الحالة الاستثنائية بعد نهاية تلك الحرب ومخلفاتها وحينها سوف نحلم بوطن مستقل يتمتع بسيادته الوطنية وتحكمه علاقات جوار متينة بعيدة عن استقلال الآخرين .
سيف الدين صالح هارون
الولايات المتحدة 🇺🇸 الأمريكية




