رأي

ود مدني بين ضغط الاقتصاد وصمت المجتمع: إلى متى؟

مؤيد الأمين

 

 مؤيد الأمين

تعيش مدينة ود مدني، عاصمة ولاية الجزيرة، حالة متفاقمة من الضغوط الاقتصادية التي باتت تمسّ تفاصيل الحياة اليومية للمواطن بصورة مباشرة وقاسية. فكلما تعثّر واقع الاقتصاد أو تفاقمت أزماته، كان جيب المواطن هو الحقل الأسهل للتعويض، وكأن قدره أن يتحمّل وحده كلفة الإخفاقات المتراكمة والاختلالات البنيوية التي لم يكن طرفاً في صناعتها.

 

قرار الغرفة التجارية الأخير بفرض عوائد جديدة على التجار بلغت ثلاثة ملايين جنيه على كل دكان، وما تبعه من إغلاق كامل للسوق الكبير في المدينة، لم يكن حدثاً معزولاً، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من السياسات التي تُدار بعقلية الجباية لا بعقلية الإصلاح الاقتصادي. فقد عبّر التجار بوضوح عن رفضهم للقرار، وعدّوه عبئاً مالياً لا يمكن احتماله في ظل ركود الأسواق، وتراجع القوة الشرائية، وانعدام الاستقرار العام. غير أن التجربة السابقة تشير إلى أن صوت الاعتراض، مهما علا في لحظته الأولى، كثيراً ما ينتهي إلى الخضوع القسري تحت ضغط الواقع وانعدام البدائل.

هذه المعادلة المختلّة (احتجاج مؤقت يعقبه صمت طويل) تعكس أزمة أعمق من مجرد قرار مالي. إنها أزمة بنية حكمٍ اعتادت نقل أعبائها إلى الفئات الأضعف، وأزمة مجتمعٍ أُنهك بالخوف وتراكم الخسارات حتى صار الصمت فيه وسيلة بقاء لا موقفاً سياسياً. وهنا تتجلّى المفارقة المؤلمة: فكلما ازداد الصمت، ازداد التمادي في فرض الرسوم والجبايات، لأن غياب المقاومة المجتمعية المنظمة يُفسَّر دائماً باعتباره قبولاً ضمنياً، لا عجزاً مفروضاً.

اقتصادياً، لا يمكن لأي مدينة أن تتعافى عبر مضاعفة الأعباء على قطاعها التجاري، وهو القطاع الذي يُفترض أن يكون محرّكاً للنشاط والإنتاج وفرص العمل. فالرسوم المرتفعة في بيئة تعاني أصلاً من التضخم والركود تؤدي غالباً إلى نتائج عكسية: إغلاق المحال، توسّع السوق الموازي، تراجع الإيرادات الفعلية، وزيادة معدلات الفقر. أي أن الجباية قصيرة النظر قد تمنح دخلاً آنياً، لكنها تدمّر القاعدة الاقتصادية التي يُفترض أن تستند إليها أي عملية تعافٍ حقيقية.

أما اجتماعياً، فإن تراكم الضغوط المعيشية دون أفق للحل يخلق شعوراً عاماً بالاختناق واليأس، وهو أخطر ما يمكن أن يصيب المجتمعات. فحين يشعر الناس أن أبواب الكرامة الاقتصادية تُغلق تباعاً، تتآكل الثقة في المستقبل، ويتحوّل الإحباط إلى حالة عامة قد تنفجر بطرق غير متوقعة. ومن هنا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: كم تبلغ قيمة الرسوم الجديدة؟ بل: إلى أي مدى يمكن للمجتمع أن يحتمل استمرار هذا المسار دون مراجعة جذرية؟

سياسياً، تكشف هذه الوقائع نمطاً معروفاً في إدارة الأزمات داخل أنظمة تفتقر إلى الشرعية الشعبية والرقابة المؤسسية؛ حيث تُستبدل الحلول الهيكلية بالإجراءات الجبائية السريعة، ويُقدَّم المواطن باعتباره المورد الأخير الذي لا ينضب. غير أن التاريخ القريب والبعيد يثبت أن المجتمعات قد تصبر طويلاً، لكنها لا تصبر إلى الأبد، وأن تراكم المظالم الاقتصادية غالباً ما يكون الشرارة الأولى لأي تحوّل كبير.

إن ما يحدث في ود مدني ليس شأناً محلياً معزولاً، بل صورة مكثّفة لأزمة وطنية أوسع، تتطلب وعياً مجتمعياً جديداً يقوم على التنظيم السلمي، وتوحيد الصوت المدني، والمطالبة الواضحة بالعدالة الاقتصادية والشفافية والمحاسبة. فالصمت، مهما بدا خياراً آمناً في المدى القصير، يتحول في المدى البعيد إلى كلفة أعلى يدفعها الجميع.

تنبيه أخير لأهل الجزيرة:

إن وحدة المجتمع هي السلاح الوحيد الذي لا يمكن مصادرته. والتاريخ يعلمنا أن الحقوق لا تُستعاد بالصمت، بل بالتكاتف الواعي والرفض السلمي المنظّم لكل ما يمسّ كرامة الإنسان ومعيشته. فإما أن تتوحدوا حول حقكم في حياة عادلة، أو يظل الضغط يتزايد حتى لا يبقى ما يمكن الدفاع عنه. واللحظة التي يُكسر فيها الخوف هي دائماً بداية الطريق نحو التغيير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!