رأي

الدولة المشطورة وإعادة إنتاج الهامش: قراءة في الجذور البنيوية للصراع السوداني

عادل عبدالله حسين 

 

عادل عبدالله حسين 

خبير بناء السلام والتنمية 

لا يمكن فهم دورات العنف المتكررة في السودان من حرب الجنوب الأولى والثانية، مرورًا بدارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، وصولًا إلى الحرب الراهنة بين الجيش وقوات الدعم السريع — بوصفها حوادث منفصلة أو نتاج “قبلية” متأصلة أو صراعًا على السلطة بين نخبتين عسكريتين فحسب. فهذه القراءات، رغم صحتها الجزئية، تبقى قراءات للأعراض (المحركات/drivers) لا للمرض (الجذور/root causes). وهذه الورقة تجادل بأن الجذر الأعمق للمأزق السوداني يكمن في بنية الدولة نفسها؛ بنية ورثها السودان المستقل عن الاستعمار المتأخر ولم يفككها، بل أعاد إنتاجها بأدوات جديدة خدمت مصالح مركز ضيق على حساب أطراف واسعة.

تستند هذه القراءة إلى إطار محمود ممداني في مفهوم “الدولة المشطورة” (bifurcated state)، وتُسقطه على تجربة السودان التاريخية، مع التركيز على حالة تشريع الأراضي كنموذج تفسيري، قبل أن تنتقل إلى مساءلة العلاقة بين هذا الجذر البنيوي ومحركات الصراع المعاصرة.

أولًا: الإطار النظري — الدولة المشطورة عند ممداني

يرى ممداني أن الدولة الاستعمارية المتأخرة في أفريقيا لم تحكم مجتمعاتها بمنطق واحد، بل بمنطقين متعايشين ومتناقضين في آن:

• حكم مباشر في الحضر، ينتج “مواطنين” (citizens) يتمتعون بحقوق مدنية وقانون وضعي وتمثيل، ولو شكليًا.

• حكم غير مباشر في الريف والهوامش، عبر سلطات عرفية وقبلية “مُخترعة” أو مُعاد تشكيلها من قبل الإدارة الاستعمارية، ينتج “رعايا” (subjects) خاضعين لاستبداد لا مركزي، لا يحكمهم القانون العام بل “عُرف” تُشرف عليه الدولة وتوظّفه.

المفارقة الجوهرية في هذا النموذج أنه لا يُنتج تهميشًا بالإهمال، بل تهميشًا بالتصميم: فالسلطة العرفية ليست بقايا تقليدية تُركت لحالها، بل أداة حكم حديثة أعادت الدولة الاستعمارية اختراعها لتحكم بها الهامش بتكلفة أدنى، بينما تحتفظ لنفسها بالمركز الحداثي حيث تتركز الموارد والخدمات والتمثيل السياسي.

لم يفكك السودان المستقل هذا الانقسام؛ بل توارثته الأنظمة المتعاقبة — المدنية والعسكرية على حد سواء — وأعادت إنتاجه بما يخدم مصالح فئات المركز (الخرطوم والولايات النهرية أساسًا) على حساب الهوامش (دارفور، كردفان، النيل الأزرق، شرق السودان، جنوب السودان قبل الانفصال).

ثانيًا: مدرستان في قراءة دولة ما بعد الاستعمار — ونقدهما

برزت في أدبيات التنمية السياسية لدول ما بعد الاستعمار مدرستان رئيسيتان لتفسير مسار التحول:

المدرسة الحداثية، وترى الحل في اللحاق بالنموذج الغربي: تعددية حزبية، اقتصاد سوق، مجتمع مدني، وسيادة قانون، على غرار تجارب أوروبا الشرقية (نقابة “تضامن” في بولندا، أو “الميثاق 77” في تشيكوسلوفاكيا)، حيث يقود المجتمع المدني الحضري التحول الديمقراطي. هذا الاتجاه حظي بدعم واسع من المؤسسات الدولية والمانحين الغربيين، وهو الاتجاه الغالب في أدبيات بناء السلام والمانحين العاملين في السودان.

غير أن هذا النموذج يحمل عيبًا بنيويًا حين يُسقط على السودان: فهو يتجاهل بنية الحكم العرفي التي لا تزال تحكم الغالبية العظمى من سكان الريف والهوامش، ويتجاهل طبيعة الاقتصاد الأقرب إلى الاقتصاد الاكتفائي البسيط (subsistence economy) القائم على الزراعة المطرية والرعي، دون أن يقترح مسارًا للتغيير المتدرج يُدمج هذه البنى بدل تجاوزها. والنتيجة أن مشاريع “التحول الديمقراطي” التي تقودها نخب حضرية متعلمة تبقى، من منظور الهامش، مشروعًا آخر للمركز، لا مشروعًا وطنيًا جامعًا.

ثالثًا: الأرض كحقل تطبيقي — قانون 1970 نموذجًا

إذا أسقطنا هذا الإطار على تجربة السودان، يمكن القول إن الأنظمة المتعاقبة — بكل أطيافها السياسية — مارست نظامًا مزدوجًا مربكًا ومتناقضًا بنيويًا:

من جهة، تُركت مساحات واسعة من قضايا الناس اليومية لتُحكم بالقانون العرفي، المتعدد بتعدد القبائل والمناطق. ومن جهة أخرى، أصدرت الدولة تشريعات مركزية سلبت الكيانات القبلية حقوقها ضمن نظمها الأهلية ذاتها، دون أن توفر لها البديل الحداثي الكامل (تمثيل، خدمات، حماية قانونية فعلية).

قانون تسجيل الأراضي لعام 1970 يمثل الحالة النموذجية لهذا التناقض:

1. إلغاء الملكية الجماعية: حوّل القانون الأرض من ملكية جماعية تُدار بأعراف دقيقة ومتوارثة (تحدد من يملك حق الاستخدام، وحدود الرعي، ومسارات النزوح الموسمي) إلى ملكية فردية قابلة للتسجيل والتداول.

2. عمى قانوني متعمد أو بنيوي: طُبّق القانون في مجتمعات لا تملك الثقافة القانونية أو الأدوات الإدارية للتسجيل، بينما تعتبر الأرض مصدر الثروة الوحيد (زراعة أو رعي)، ما جعل غالبية السكان الفعليين للأرض غير قادرين على تثبيت حقوقهم قانونيًا.

3. إعادة توزيع الثروة لصالح المركز: استُغل الفراغ الناتج لتوزيع مساحات شاسعة على موظفي الدولة، والمرتبطين بالسلطة، والتجار، وأصحاب رؤوس الأموال — في غياب تام لأي تخطيط زراعي يراعي التوازن البيئي أو يحمي السكان الرعاة والمزارعين.

4. الانهيار البيئي والاقتصادي: أدى ذلك إلى قطع جائر للغابات من قبل المستفيدين الجدد، ولم تُترك حتى مساحات مشاع كافية للرعي التقليدي، وهو ما دمّر تدريجيًا اقتصاد غالبية السكان وأسكن الفقر والفاقة حياتهم.

5. بُعد الهوية المسكوت عنه: رافق هذا الانتزاع الاقتصادي إنكار متزامن للهويات الثقافية المحلية، ومحاولات مستمرة لبوتقة سكان الهامش في هوية عربية-إسلاموية مركزية لا تشبه بالضرورة إسلام أهل الريف وثقافاتهم المتعددة.

الخيط الناظم لكل ذلك هو أن القانون الوضعي لم يُستخدم لتحديث بنية الملكية بقدر ما استُخدم أداةً لنقل الثروة من الهامش إلى المركز، تحت غطاء “الدولة الحديثة”، بينما ظل الحكم اليومي لسكان الهامش عرفيًا حين يخدم ذلك مصلحة الدولة (تخفيض كلفة الإدارة)، وحداثيًا حين يخدم مصلحتها (نزع الملكية).

رابعًا: الاقتصاد السياسي للتهميش المُدار

لضمان استمرارية هذه المصالح وذلك التفوق البنيوي للمركز، كان لا بد من حصار كتل “الرعايا” ضمن إسار الجهل، وانعدام التنمية، والسياسات الأمنية التي خلقت نزاعات بينية (بين القبائل، بين الرعاة والمزارعين، بين المكونات الإثنية) لشغلهم عن التوحد والنضال المشترك من أجل حقوق متساوية. هذا النمط ليس نتاج إهمال إداري عشوائي، بل — كما يوثق أدب الاقتصاد السياسي للنزاع في السودان — نمط متكرر عبر الأنظمة المتعاقبة: توظيف الهامشية الاقتصادية والخدمية كأداة سيطرة سياسية، وتغذية الانقسامات الأفقية بين مكونات الهامش لمنع تشكل جبهة مطلبية موحدة.

خامسًا: من الإقصاء المدني إلى العسكرة — تفسير بنية المقاومة

حين أصرّت الدولة المركزية على حكم الهوامش باعتبار وحيد هو الهوية القبلية، وفي غياب شبه تام لأشكال الحداثة (تعليم، خدمات، تمثيل سياسي فعلي) إلا بالقدر اليسير، كان من الطبيعي أن يستند نمط المقاومة في الهامش إلى الإطار القبلي ذاته الذي فرضته الدولة كإطار وحيد للتفاعل معه. وهذا يفسر لماذا اتخذت أغلب حركات النضال في الهامش — تاريخيًا وحتى اليوم — طابعًا قبليًا مسلحًا، ليس لأن القبلية “طبيعة” هذه المجتمعات، بل لأنها أُفقرت أساسًا من الأدوات المدنية البديلة.

والأهم أن محاولات النضال المدني السلمي التي طرحتها نخب الهامش عبر التاريخ — مؤتمر البجا، حزب “سانو”، المؤتمر العام لجبال النوبة، الكتلة السوداء — قوبلت غالبًا بالتخوين والإهمال من المركز السياسي، بمن في ذلك أحيانًا من قوى المعارضة “الحداثية” ذاتها. هذا الإقصاء المزدوج (من الدولة ومن المعارضة المركزية على حد سواء) أغلق مسار العمل المدني تدريجيًا، وترك العمل المسلح كأداة التفاوض الوحيدة المتاحة والفعالة تاريخيًا لانتزاع الاعتراف أو المشاركة في السلطة والثروة.

في المقابل، سعى “المواطنون” (citizens) في المركز — الراغبون في الحفاظ على مواقعهم ومصالحهم المكتسبة — إلى توظيف إرث السلطة والموارد ذاته لتوطيد مواقعهم، مستفيدين من استمرار نفس البنية المشطورة التي أنتجت الأزمة أصلًا.

سادسًا: من الجذور إلى المحركات — أهمية التمييز التحليلي

من الناحية المنهجية ، من الضروري التفريق بوضوح بين:

• الجذور البنيوية (root causes): وهي الأنماط العميقة والمستدامة عبر الزمن — هنا: بنية الدولة المشطورة، ونظام الملكية المزدوج، وسياسة إدارة التهميش كأداة سيطرة. هذه الجذور لا تتغير بتغيّر الحكومات أو توقيع اتفاقيات السلام الجزئية.

• المحركات (drivers): وهي العوامل المتغيرة والسياقية التي تُنشّط الجذور البنيوية في لحظة معينة أو منطقة معينة — كالتنافس على السلطة بين قوى عسكرية بعينها، أو صدمة اقتصادية آنية، أو نزاع محلي على الموارد يتفجر بفعل الجفاف أو تدفق النزوح.

الخطأ الشائع في كثير من تحليلات النزاع في السودان (بما فيها بعض تحليلات المانحين) هو معالجة المحركات (وقف إطلاق النار، الوساطة بين الأطراف المسلحة، برامج الإغاثة العاجلة) بمعزل عن الجذور، ما يُنتج استقرارًا هشًا وقابلًا للانتكاس الدوري — لأن بنية الدولة المشطورة وآليات إعادة إنتاج التهميش تبقى سليمة تحت سطح أي تسوية سياسية.

سابعًا: آليات الانتقال من الجذور البنيوية إلى الانفجار الراهن (2019–2026)

إذا كانت الأقسام السابقة قد فسّرت الجذر البنيوي العميق (الدولة المشطورة) والمحرك الوسيط (عسكرة الهامش المُقصى مدنيًا)، فإن السؤال الأصعب هو: كيف تحوّلت هذه البنية التاريخية تحديدًا إلى الحرب الدائرة اليوم بين الجيش وقوات الدعم السريع، بكل تعقيدها وامتدادها الإقليمي؟ الإجابة تستلزم تفكيك عدة آليات تفاعلية، لا عاملًا واحدًا.

أ) تفكك تحالف المركز: من ثنائية مركز/هامش إلى انقسام داخل المركز نفسه

الجذر البنيوي كما وُصف أعلاه افترض مركزًا متماسكًا نسبيًا يواجه هوامش مقصاة. لكن ثلاثة عقود من حكم الإنقاذ (1989–2019) أنتجت آلية جديدة: بناء قوة عسكرية موازية (ميليشيات الجنجويد ثم قوات الدعم السريع) من داخل الهامش ذاته (دارفور أساسًا)، ليس بوصفها تحديًا للدولة المشطورة، بل أداة إضافية لإدارتها — استُخدمت لقمع تمردات الهامش الأخرى (دارفور نفسها، ثم لاحقًا كردفان والنيل الأزرق) بتكلفة سياسية أقل على “الجيش النظامي”.

هذه الآلية أنتجت مفارقة تاريخية: قوة مسلحة نشأت من رحم الإقصاء والتهميش (شبكات عربية رعوية دارفورية مهمّشة اقتصاديًا هي الأخرى ضمن التراتبية العرقية-الاقتصادية لدارفور) تحوّلت تدريجيًا، عبر الدمج المؤسسي الجزئي والتمكين الاقتصادي (خاصة عبر مناجم الذهب في جبل عامر ومناطق أخرى)، إلى فاعل يملك موارد وقوة نيران توازي الجيش النظامي نفسه. بعبارة أخرى: الدولة، سعيًا لإدارة تناقضها البنيوي بأقل كلفة، صنعت بيدها فاعلًا مسلحًا يملك اليوم القدرة على تحدي احتكارها للعنف — وهذا هو جوهر الانفجار الحالي: لم يعد الصراع بين “مركز” و”هامش” بالمعنى الكلاسيكي، بل بين قطبين عسكريين كلاهما نشأ من نفس منظومة إدارة التهميش، يتصارعان اليوم على وراثة المركز نفسه.

ب) عسكرة الهامش المرتدّة: من أداة قمع إلى فاعل مستقل

يمكن قراءة هذه الآلية كحلقة مركّبة من ثلاث مراحل تاريخية متتالية:

1. مرحلة التوظيف: تجنيد ميليشيات محلية من مجتمعات رعوية مهمّشة لقمع تمرد هامش آخر (حرب دارفور 2003 وما بعدها)، عبر شعارات هوياتية (عربي/أفريقي) استُخدمت لتعبئة انقسام لم يكن بهذه الحدة قبل تسليحه من الدولة.

2. مرحلة المأسسة: تحويل الميليشيا إلى قوة شبه نظامية (قانون قوات الدعم السريع 2017) بموارد ذاتية (ذهب، تهريب، عقود أمنية إقليمية كالمرتزقة في اليمن وليبيا)، ما منحها استقلالية اقتصادية عن مركز القرار العسكري التقليدي.

3. مرحلة المنافسة على المركز: تحوّل القوة من أداة تنفيذية إلى شريك إجباري في السلطة بعد سقوط البشير (2019)، ثم إلى منافس مباشر بعد انقلاب 2021 المشترك، وصولًا إلى المواجهة المفتوحة في أبريل 2023.

هذه الحلقة تُظهر أن آلية “إدارة الهامش بالهامش” — التي بدت رخيصة الكلفة على المدى القصير — تحمل كلفة ارتدادية طويلة المدى: تُنتج فاعلين مسلحين لا يملكون حافزًا لإعادة إنتاج الدولة المشطورة بصيغتها القديمة، بل حافزًا للاستيلاء عليها أو تفكيكها لصالح بنية سلطة جديدة تخدم شبكتهم الخاصة.

ج) اقتصاد الحرب كامتداد لمنطق نهب الأرض والموارد

المسار الذي بدأ بقانون 1970 (تحويل الأرض من ملكية جماعية إلى أصل قابل للنهب المركزي) يجد اليوم استمراريته البنيوية في اقتصاد الحرب:

• الذهب حلّ محل الأرض الزراعية كمورد النهب الأول، حيث تتقاسم شبكات مرتبطة بطرفي الصراع (وبفاعلين إقليميين) عوائد التعدين التقليدي والصناعي، خارج أي رقابة مالية للدولة المركزية.

• النزوح الجماعي (أكثر من 12 مليون نازح ولاجئ منذ 2023) يُعيد إنتاج ديناميكية الاستيلاء على الأرض بالقوة المسلحة، إذ تتحول مناطق زراعية ورعوية بأكملها (الجزيرة، كردفان، دارفور) إلى مسرح سيطرة عسكرية تُعاد فيها هندسة أنماط الملكية والاستخدام بحكم الأمر الواقع، لا بحكم القانون.

• اقتصاد الحصار والإغاثة أصبح هو الآخر أداة سيطرة: التحكم في ممرات المساعدات الإنسانية (كما في كردفان) يُعيد إنتاج منطق “الحكم غير المباشر” ذاته — لا عبر إدارة أهلية هذه المرة، بل عبر سيطرة عسكرية مباشرة على بقاء السكان أنفسهم.

بعبارة أخرى، لم يتغيّر منطق تحويل موارد الهامش إلى ثروة يسيطر عليها فاعلون مسلحون مرتبطون بالمركز أو بمراكز بديلة؛ ما تغيّر هو الأداة (السلاح الثقيل بدل التشريع) والمستفيد (فاعلون عسكريون جدد بدل بيروقراطية الدولة التقليدية).

د) التعبئة الهوياتية التصاعدية وتحويل الانقسام الأفقي إلى عمودي

الآلية الأمنية القديمة القائمة على “خلق نزاعات بينية لشغل الهامش عن التوحد” (كما وُصف اعلاه) بلغت في السياق الراهن مستوى غير مسبوق من التصعيد: خطاب الحرب الحالي يُعيد تدوير ثنائيات هوياتية (عربي/أفريقي، مركز/هامش، “جيش وطني” مقابل “ميليشيا قبلية”) بأدوات إعلامية ورقمية حديثة (منصات التواصل الاجتماعي، حملات التعبئة الممنهجة) تُضاعف من سرعة وعمق الاستقطاب مقارنة بأي مرحلة سابقة.

النتيجة البنيوية الخطيرة: ما كان تاريخيًا انقسامًا أفقيًا بين هوامش متعددة (كل منها يقاوم المركز بمعزل عن الآخر) يتحول تدريجيًا إلى انقسام عمودي يخترق المجتمع السوداني بأكمله — بما فيه المركز نفسه — على أسس هوياتية وعرقية، بما يهدد بتفكيك النسيج الاجتماعي إلى ما بعد أي تسوية سياسية ممكنة، حتى لو توقف القتال.

هـ) الفراغ المدني المزمن والدور الدولي المتناقض

أخيرًا، تُظهر المرحلة الممتدة من ثورة ديسمبر 2018 حتى الحرب الراهنة استمرار الآلية ذاتها الموصوفة في القسم الخامس: إقصاء القوى المدنية من التفاوض الفعلي على السلطة. فقد جرى التعامل مع لحظة الثورة المدنية (تجمع المهنيين، لجان المقاومة) كمرحلة انتقالية يُدار توازنها من الأعلى بين فاعلين عسكريين (المجلس العسكري والدعم السريع)، لا كفرصة لإعادة تأسيس العقد الاجتماعي بين المركز والهامش.

في الوقت ذاته، لعب الفاعلون الدوليون والإقليميون دورًا مزدوجًا ومتناقضًا: فبينما ضغطت أطراف دولية باتجاه “انتقال مدني ديمقراطي”، دعمت أطراف إقليمية أخرى —مدفوعه بمصالح اقتصادية وأمنية متعارضة — أحد طرفي الصراع العسكريين أو كليهما بالتوازي، بما كرّس عسكرة المشهد بدل تفكيكها. هذا التناقض الدولي ليس عاملًا خارجيًا عرضيًا، بل امتداد لنفس منطق الدولة المشطورة على المستوى الإقليمي: قوى خارجية تتعامل مع السودان كحقل نفوذ يُدار عبر شبكات مصالح ضيقة، لا كدولة ذات سيادة يُبنى معها عقد تنموي وسياسي شامل.

تركيب: من الجذر إلى الانفجار  سلسلة سببية مركّبة لا خطية

يمكن تلخيص هذه الآليات في سلسلة تفاعلية (لا خطية بالضرورة، بل تراكمية ومتغذية ذاتيًا):

الدولة المشطورة (جذر بنيوي) ← نهب الأرض والموارد عبر التشريع (أداة تاريخية) ← إفقار مدني وتهميش مركّب للهامش ← عسكرة المقاومة كخيار وحيد متاح ← توظيف الدولة لميليشيات هامشية لقمع هوامش أخرى ← تمكين اقتصادي وعسكري ذاتي لتلك الميليشيات (الذهب، الارتزاق) ← تحوّلها من أداة إلى منافس على المركز ← انهيار التوازن الداخلي للمركز نفسه ← حرب مفتوحة بين قطبين عسكريين كلاهما نتاج نفس المنظومة ← تصعيد هوياتي رقمي يُعمّق الانقسام العمودي ← تدخل إقليمي متناقض يُطيل أمد الصراع ← إعادة إنتاج اقتصاد النهب بأدوات الحرب بدل أدوات التشريع.

هذه السلسلة تُبرز نقطة منهجية جوهرية: الحرب الراهنة ليست انحرافًا عن المسار التاريخي للدولة السودانية، بل هي التعبير الأكثر تطرفًا وكثافة عن الآلية البنيوية ذاتها التي أنتجت كل دورات العنف السابقة — لكنها هذه المرة بلغت من فرط تراكمها نقطة انقلبت فيها أدوات إدارة الهامش (الميليشيا المسلحة) إلى تهديد وجودي للمركز الذي صنعها.

خاتمة: نحو معالجة الجذور

إن أي مسار حقيقي لبناء سلام مستدام في السودان يستلزم تفكيك بنية “الدولة المشطورة” ذاتها، وليس فقط إدارة تجلياتها الآنية. ويعني ذلك عمليًا:

• إصلاح جذري لنظام حيازة الأراضي، يعيد الاعتراف بالنظم الجماعية والعرفية كأنظمة قانونية شرعية موازية، لا كبقايا يجب تجاوزها.

• بناء دولة مواطنة موحدة لا تُبقي على ازدواجية “المواطن/الرعية”، بل تُدمج الهامش في إطار حقوقي وخدمي واحد.

• الاعتراف بالإدارة الأهلية كآلية مقاومة وصمود حين تُعاد صياغة دورها بعيدًا عن التوظيف الأمني، بوصفها موردًا محليًا للتماسك الاجتماعي، لا أداة سيطرة مركزية.

• الاستثمار في الأدوات المدنية للهامش  تعليم، تمثيل سياسي، مساحات مدنية آمنة — بوصفها بديلاً حقيقيًا وقابلاً للحياة عن مسار العسكرة الذي فرضته عقود من الإقصاء.

بدون هذا التفكيك البنيوي، ستبقى كل تسوية سياسية أو اتفاق سلام معالجة للمحركات الظاهرة، تاركةً الجذر الأعمق للمأزق السوداني  الدولة المشطورة وإعادة إنتاجها المستمرة للهامش  سليمًا وجاهزًا لإنتاج دورة العنف التالية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!