رأي

حين تتحول التسجيلات إلى إساءة للتاريخ: رسالة مفتوحة إلى علي محمود

محمد تاج الدين الحلو

 

محمد تاج الدين الحلو 

تابعنا ما ورد في تسجيلك الصوتي الأخير، وما تضمنه من إساءات بحق ناظر الرزيقات محمود موس مادبو، عبر روايات مختلقة وادعاءات لا تخدم سوى خطاب التشويه واستهداف رموز الإدارة الأهلية، وهو نهج ظل ملازمًا لمواقفك العامة في مراحل مختلفة.

إن ما تجاهلته، أو تعمدت إغفاله، أن الناظر محمود موس مادبو ينتمي إلى إرث تاريخي راسخ، فهو سليل إبراهيم موس مادبو (أبو فانو)، سير النظار، الذي ارتبط اسمه بمحطات مفصلية في تاريخ السودان الاجتماعي والسياسي، ومن بينها اللقاء التاريخي الذي استضاف خلاله الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في بادية الرزيقات. هذه وقائع موثقة لا يطالها النيل بخطابات صوتية عابرة.

وليس مستغربًا صدور هذا الخطاب منك، إذ تشهد مداخلاتك السابقة بعداء متكرر تجاه مؤسسات الإدارة الأهلية وقياداتها، حيث لم تسلم من هجومك أسماء معروفة مثل الناظر محمود موس، والناظر محمد يعقوب العمدة، والناظر محمد الفاتح السماني البشر، الذي اضطلع بمسؤولياته بروح من الحكمة والانفتاح، وأسهم في مبادرات مجتمعية جامعة، رغم حداثة سنه، مواصلًا سيرة والده الشيخ أحمد السماني، رحمه الله.

أما سجلك الإداري والسياسي في جنوب دارفور، فهو حاضر في ذاكرة أهلها؛ فترة اتسمت بتصاعد النزاعات القبلية، واتساع دائرة العنف، وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا الأبرياء، إلى جانب تعميق الانقسام الاجتماعي، واستخدام أدوات الدولة في تصفية الخصومات السياسية والاجتماعية.

وخلال تلك المرحلة، تعرض الناظر أحمد السماني للاعتقال في سياق انتقامي، كما فُقدت قيادات اجتماعية معروفة بالحكمة والسعي إلى التعايش، من بينها المرحوم أمين عيسى عليو، الذي جرى دفعه إلى صراعات عبثية انتهت بوفاته، وكذلك الوالد تاج الدين الحلو، رمز الحكمة المجتمعية، الذي قُتل في طريقه إلى برام في ظروف ظلت محل تساؤلات واسعة، في وقت كنت تتولى فيه موقع المسؤولية التنفيذية.

لقد تقلدت مناصب مالية دون أن ينعكس ذلك في مواقف مسؤولة تجاه قضايا الاقتصاد المنهك بالحرب والفساد، واُستبدل بذلك خطاب يحمّل المجتمعات أوزار صراعات لم تكن طرفًا في إشعالها. إن المسؤولية عن القتل والفوضى تقع على عاتق من أشعل الحرب، وأدار السجون، وانتهج سياسات أمنية مختلة، سعيًا للعودة إلى السلطة.

وما يُتداول عن تكليفات مصرفية برواتب مجزية لا يمنح أي شخص حق النيل من كرامة الناس أو تشويه تاريخهم الاجتماعي، فالمناصب ليست تفويضًا أخلاقيًا للإساءة، ولا غطاءً لتصفية الحسابات.

إن عجز الخطاب السياسي عن تقديم إضافة وطنية لا يبرر الانزلاق إلى التشهير ونشر الشائعات. وإن كان ثمة ما يُرجى اليوم، فهو الكف عن إيذاء الناس، واحترام تاريخهم ورموزهم.

وتبقى الحكمة القديمة صالحة: من آداب الحديث  كما من آداب الأكل  الصمت حين يعجز الكلام عن الإضافة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!