
صديق اندر
يتبادر للاذهان سؤال يتجدد كل عام مع اعياد الاستقلال المجيد وخاصة اذا وقفنا مليا مع أنفسنا وجردنا الحساب منذ سبعون عاما مضت -ماهي الفوائد المكتسبه من الاستقلال ؟ ولو افترضنا جدلا ان الإنجليز موجودين بيننا وهل بوجودهم سنصل لما وصلناه اليه اليوم ام يكون الامر مختلفا تماما؟ وهل بالامكان الاستعانة بهم الان ومستقبلا في بناء المؤسسات التى اجهز عليها الحرب ؟
احاول الاجابه على بعض التساؤلات واترك الاجابة برمتها للعلماء والمختصين
وفي الأول من يناير من العام 1956، رفرف علم السودان معلنًا استقلالًا سياسيًا طال انتظاره بعد عقود من الحكم الثنائي الإنجليزي المصري. وكان الأمل يحدو الأمة في بناء دولة قوية ومزدهرة. إلا أن عقودًا تلت هذا الاستقلال الاسمي كشفت عن واقع مرير، حيث لم يُترجم التحرر السياسي إلى استقلال حقيقي على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، مما ألقى بظلاله على مسيرة البلاد.
لقد ترك المستعمر مؤسسات مدنية وعسكرية ذات انضباط وكفاءة عالية، ولكن الرعيل الأول بعد الاستقلال لم يتمكنوا من البناء القوى على الأساس المتين. فبدلًا من التخطيط السليم والبرامج التنموية الشاملة التي تكسر حلقات التبعية الجديدة، تُركت الأمور للصدفة، مما أدى إلى نتائج كارثية تجلت في الحروب الأهلية المتتالية التي مزقت النسيج الاجتماعي وأهدرت الموارد البشرية والماديةوالتخلف الاقتصادي حيث ظل السودان يعتمد على إنتاج المواد الأولية وتصديرها خام، وفشل في تحقيق تنمية بشرية للمواطن او تنمية صناعية وزراعية متوازنة ومستدامة. بل كان النتاج مريعا من
الانتشار الواسع للجوع والمرض نسبة لضعف البنى التحتية وتدهور الخدمات الأساسية و الانقسام الجهوي والقبلي والعنصري والذي تفاقم بسبب غياب مشروع وطني جامع للهوية، وهو ما أكدته الحاجة الملحة لإعادة قراءة التاريخ السوداني.
ان ضعف المؤسسات بما في ذلك الخدمة المدنية التي كانت يومًا مضرب الأمثال في الانضباط.
لقد تحول الاستقلال الشكلي إلى أداة لإنتاج دولة عاجزة، كما حذر نكروما وبن بركة في مدوناتهم عن فشل النخب الافريقية بعد الاستقلال وبدلًا من التحرر الفعلي، غرق السودان في دوامة من التبعية الجديدة للدولة المصرية، حيث ظلت قراراته الاقتصادية والسياسية رهينة للقوى الخارجية والداخلية المتصارعة. وبعد الاستعمار بلغ هذا المسار ذروته مع الأنظمة المتتالية ديمقراطية/عسكر ، وآخرها نظام الإنقاذ الإسلامي الشمولى،الذي قاد البلاد إلى حرب ضروس أكلت الأخضر واليابس، ودفعت غالبية الشعب السوداني للتساؤل بحسرة هل كان الاستعمار البغيض أفضل من حكومات ما بعد الاستقلال التي لم تجلب سوى الدمار والانقسام؟
إن هذه التساؤلات المؤلمة لا تعني تمجيد الاستعمار، بل هي صرخة تعبر عن خيبة أمل عميقة في مسار ما بعد الاستقلال الذي لم يحقق تطلعات الشعب في الحرية والكرامة والتنمية الحقيقية.
sddgander@gmail.com
10مايو2026م كمبالا




