رأي

الوليد مادبو… قلمٌ انتصر على جيوش البغي

ابو عبدالله الراشدي

 

أبو عبدالله الراشدي

ليس من السهل، ولا من المألوف، أن يتحوّل مفكرٌ فرد إلى العدو الأوحد لمنظومةٍ كاملة، ولا أن تختزل سلطةٌ مأزومة كل خصوماتها في اسمٍ واحد. فالدول لا تخشى الأشخاص، بل تخشى ما يمثّلونه. وحين يصبح الاسم مرادفًا للفكرة، وتغدو الفكرة خطرًا وجوديًا، يبدأ الاستهداف.

في الحالة السودانية، لم يكن الوليد مادبو مجرد كاتبٍ ناقد، ولا أكاديمي يراقب من علٍ، بل مفكرًا اشتبك مع جوهر المشروع الإسلاموي: سرديته عن الدولة، واحتكاره للأخلاق، وادعاءه تمثيل التاريخ والدين والوطن. لم يهاجم الأطراف، بل دخل إلى قلب المتن، وسمّى الأشياء بأسمائها، بلا تهيّب ولا مواربة. وهنا تحديدًا تكمن الخطورة.

كثيرون حملوا السلاح، وكثيرون واجهوا النظام في الشارع، وسقطوا شهداء في 28 رمضان، وفي فض الاعتصام، وفي دارفور والشرق، وفي الحروب والهامش والحصار والثورة. كل أولئك قدّموا أثمانًا باهظة، وكتبوا بدمهم فصولًا مجيدة من المقاومة. لكن المفارقة القاسية أن المشروع الإسلاموي – رغم كل ذلك – ظل قادرًا على التكيّف والمناورة، لأن بنيته الفكرية لم تُفكَّك تفكيكًا جذريًا.

الوليد مادبو فعل ما هو أخطر من المواجهة المباشرة: نزع عن الكيزان هيبتهم الرمزية. لم يتعامل معهم كقوةٍ ميتافيزيقية، ولا كتنظيمٍ قدري، بل كظاهرة بشرية لها تاريخ، وأخطاء، وجرائم، وتناقضات داخلية. أعادهم من مقام “الدعوة” إلى مقام المساءلة، ومن أسطورة الطهر إلى واقع السياسة القذرة. وكما قال ماكس فيبر: «السلطة تقوم على الاعتقاد بشرعيتها»، وحين يُسحب هذا الاعتقاد، تنهار من الداخل.

تميّز خطاب مادبو بأنه لم يقع في فخ الكراهية، ولا في رد الفعل الغريزي، بل في تفكيك هادئ وقاسٍ في آنٍ واحد. لم يشتم الإسلاميين، بل فكك خطابهم. لم يلعن التجربة، بل شرح كيف تحوّل الدين إلى أداة هيمنة، وكيف صارت الدولة غنيمة، والقبيلة درعًا، واللغة ستارًا للعنف. وهذا النوع من الكتابة – كما يقول ميشيل فوكو – لا يواجه السلطة بالسلاح، بل يجرّدها من خطابها الذي تحتمي به.

لهذا، لم يعد العدو هو أمريكا، ولا الدعم السريع، ولا الحركات المسلحة، ولا “تأسيس” ولا “صمود”. تقلّصت خارطة الخصومة، وتكثّفت في شخصٍ واحد. وهذه ليست علامة قوة، بل علامة فزع. فالأنظمة الواثقة تتعدد خصوماتها، أما المرتبكة فتبحث عن رأسٍ واحد تُعلّق عليه فشلها.

تحوّل الوليد مادبو، في المخيال الإسلاموي، إلى كابوس فكري:

رجل لا يمكن تخوينه بسهولة،

ولا شراؤه، ولا إخضاعه للثنائيات الساذجة. يكتب من داخل الثقافة السودانية، لا من هامشها، ويستدعي التاريخ لا ليقدّسه، بل ليحاسبه. وهنا تكمن المعضلة: إنه لا يترك لهم مساحة للاختباء.

قال أنطونيو غرامشي إن أخطر ما يواجه الهيمنة هو «المثقف العضوي الذي يفضح آليات السيطرة من داخل المجتمع نفسه». والوليد مادبو – بهذا المعنى – لم يكن خصمًا سياسيًا، بل خصمًا وجوديًا لمشروعٍ قام على احتكار الوعي، وتدجين الأسئلة، وتحريم النقد.

ليست المسألة إذن مديح شخص، بل توصيف لحظة: لحظة ينتصر فيها القلم لا لأنه أقوى من الجيوش عددًا، بل لأنه أكثر دقة في الإصابة. فالجيوش تضرب الأجساد، أما الكلمة الصادقة فتضرب المعنى. وحين يُهزم المعنى، تسقط الهيبة، ويتحوّل الصراخ إلى إعلان غير مكتوب عن الإفلاس. وهذا، في السياسة، نصرٌ لا تحققه الجيوش.

٨ فبراير ٢٠٢٦

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!