
مؤيد الأمين
في أزمنة الصراع السياسي والحروب، لا تكون المعركة عسكرية فقط، بل تمتد إلى معركة أخرى أكثر خطورة وتعقيدًا: معركة الوعي. إذ تعمل الآلات الإعلامية المنظمة المرتبطة بالمشروع الإسلاموي لجماعة الإخوان المتاسلمين (الكيزان) على إعادة تشكيل المفاهيم داخل المجتمع عبر خلطٍ مقصود بين القضايا والجهات، بحيث تختفي الحقائق الوجودية خلف ضباب كثيف من السرديات المضللة.
أحد أبرز مظاهر هذا الخلط يتمثل في الربط المتعمد بين الجيش السوداني ومشروع جماعة الإخوان المسلمين. فبينما تشير الوقائع إلى أن مفاصل قيادية داخل المؤسسة العسكرية خضعت تاريخيًا لتأثير التنظيم الإسلاموي، تبقى الحقيقة الأساسية أن الجيش من حيث المبدأ (الدستوري والوطني) مؤسسة عامة مملوكة للشعب وليست حكرًا على أي تنظيم سياسي. غير أن الخطاب الإعلامي المرتبط بالكيزان يسعى إلى طمس هذا الفارق الجوهري، بحيث يُصوَّر أي نقد لمشروعهم السياسي وكأنه إساءة مباشرة للجيش نفسه. وبهذه الآلية تُمنح الجماعة حماية سياسية تحت غطاء وطني زائف، ويتحوّل النقاش المشروع إلى تهمة جاهزة تُستخدم لإسكات المخالفين.
ولا يقتصر هذا الخلط على إعادة تعريف الجيش، بل يمتد إلى إعادة تعريف الخصوم السياسيين. إذ يجري ربط القوى المدنية والثورية بالعنف المسلح، وكأن المطالبة بالحرية والديمقراطية هي ذاتها سبب الحرب أو امتداد لها. وبهذا الربط المصطنع يُعاد ترتيب المشهد الأخلاقي بصورة معكوسة: فيُقدَّم دعاة السلام بوصفهم متعاونين مع الفوضى، ويُصوَّر المطالبون بوقف الحرب كأنهم منحازون لأعداء الوطن، بينما يُعاد تقديم استمرار الصراع باعتباره موقفًا وطنيًا مشروعًا.
تحليليًا، تقوم هذه الاستراتيجية على ثلاث أدوات رئيسية
الأولى (التبسيط المخلّ) الذي يختزل واقعًا مركبًا في ثنائيات حادة مثل ( مع الجيش أو ضده، مع الوطن أو خائن له)
الثانية: التكرار المنهجي للرسائل الدعائية حتى تتحول إلى شعور عام لا يحتاج إلى دليل أو برهان.
الثالثة: الوصم الاجتماعي والسياسي الذي يجعل الخروج عن السردية الإسلاموية السائدة مكلفًا نفسيًا وأخلاقيًا، فيفضّل كثيرون الصمت على مواجهة الاتهام والتخوين.
خطورة هذا المسار لا تكمن فقط في تشويه الحقائق، بل في إضعاف القدرة الجمعية على التفكير النقدي. فعندما يصبح السلام تهمة، والنقد خيانة، تختفي المساحات الوسطى التي تسمح بالحوار العقلاني، وتتحقق الغاية الأعمق للمشروع السلطوي المرتبط بالإخوان المسلمين: إبقاء الصراع مفتوحًا بما يضمن استمرار الهيمنة دون مساءلة حقيقية.
إن إعادة التوازن إلى الوعي العام تتطلب جهدًا معاكسًا يقوم على التفريق الواضح بين الجيش كمؤسسة وطنية والمشروع الإسلاموي كتنظيم سياسي، وبين النقد المشروع والعداء للوطن، وبين الدعوة للسلام والانحياز للعنف. كما تتطلب تعزيز ثقافة السؤال والتحقق والنقاش الحر، بدل الاكتفاء بالسرديات الدعائية الجاهزة.
في النهاية، معركة الوعي ليست شأنًا نخبويًا محدودًا، بل قضية تمس مصير المجتمع كله. فالأمم التي تفقد قدرتها على رؤية الحقيقة كما هي تصبح أكثر عرضة لتكرار أزماتها التاريخية. أما المجتمعات التي تحمي وعيها من الخلط المتعمد، فهي الأقدر على كسر دوائر الصراع والتقدم نحو أفق الدولة العادلة والسلام المستدام.




