
صالح السليمي
بمناسبة عيد الفطر المبارك، يطيب لي أن أتقدم إليكم بأصدق التهاني وأطيب التبريكات، سائلاً الله أن يعيده علينا وعلى بلادنا بالأمن والأمان، وأن يجعله مناسبة للسكينة والطمأنينة والسلام. فالأعياد في جوهرها ليست مجرد طقوس احتفالية عابرة، بل هي محطات إنسانية عميقة تتجدد فيها معاني الرحمة والتسامح، وتُستعاد فيها القيم التي تعيد التوازن إلى النفس والمجتمع معاً.
لقد شُرعت الأعياد لتكون فسحة للروح بعد مجاهدة، ولحظة صفاء بعد عناء. ويأتي عيد الفطر على وجه الخصوص بعد شهر كامل من الصيام، شهرٍ جاهد فيه المؤمنون شهوات أنفسهم، وارتقوا فيه بأرواحهم نحو معاني الخير والفضيلة، وتدربوا على البذل والعطاء وكبح نوازع الأنانية. ومن هنا فإن العيد لا ينبغي أن يُختزل في مظاهره الخارجية، بل في رسالته العميقة التي تدعونا إلى مراجعة النفس، ومحاسبتها، وتنقية القلوب من أدران الخصومة والضغائن.
غير أن عيد هذا العام يمر على بلادنا في ظل ظرف بالغ القسوة. فالحرب التي تمزق السودان منذ ما يقارب ثلاثة أعوام لم تترك بيتاً إلا وأصابته بجرح، ولم تطرق باباً إلا وخلفت فيه مأساة. فقد شعبنا أبناءه، وتبددت مدخراته، وتشرد الملايين في المنافي ومخيمات النزوح، وانهارت قطاعات الاقتصاد والتنمية والتعليم، وأصبح النسيج الاجتماعي نفسه مهدداً بالتفكك والانهيار. إنها مأساة وطنية مكتملة الأركان، لا يملك ضمير حي أن يتجاهل فداحتها أو يتعامل معها بوصفها قدراً لا مفر منه.
والأدهى من ذلك أن التحولات الدولية الأخيرة، ولا سيما الحرب التي اندلعت في الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، قد صرفت أنظار العالم عن المأساة السودانية، حتى كادت قضيتنا أن تغيب عن الأجندة الإقليمية والدولية. لكن هذا التراجع في الاهتمام الخارجي يجب ألا يدفعنا إلى اليأس، بل ينبغي أن يكون دافعاً لنا للاعتماد على أنفسنا، والبحث عن طريق سوداني خالص لإنهاء هذه الكارثة.
إن رسالة العيد في هذا الظرف الحرج ينبغي أن تكون رسالة سلام قبل أي شيء آخر. سلامٌ يقوم على شجاعة الاعتراف بأن هذه الحرب لم تحقق نصراً لأحد، بل صنعت خسارة مشتركة للجميع. وسلامٌ يقوم على قناعة راسخة بأن مستقبل السودان لا يمكن أن يُبنى بالبندقية، بل بالحوار، وبالقدرة على تجاوز المرارات، وبالاستعداد لتقديم التنازلات من أجل إنقاذ الوطن.
فهل نجعل من هذا العيد نقطة بداية لمراجعة صادقة؟ وهل نمتلك الشجاعة الأخلاقية لنقول إن هذا الصراع العبثي قد طال أكثر مما ينبغي، وأن الوقت قد حان لطي صفحته؟ إن التاريخ يعلمنا أن الأوطان لا تنتصر إلا عندما ينتصر صوت الحكمة على ضجيج السلاح، وعندما يدرك الجميع أن الوطن أكبر من كل الخلافات.
لعل عيد الفطر هذا العام يكون مناسبة لإيقاظ الضمير الوطني، واستعادة روح التصافي والتسامح بين أبناء السودان. ولعلنا نجعله بداية لحوار جاد وخلاق بين جميع القوى الوطنية، حوار يضع مصلحة البلاد فوق كل اعتبار، ويفتح الطريق أمام بناء سودان جديد، سودان يسع الجميع دون إقصاء أو احتكار، وطن يتساوى فيه أبناؤه في الحقوق والواجبات، وتُصان فيه كرامة الإنسان وتُحمى فيه آمال الأجيال القادمة.
كل عام وأنتم بخير،
والسودان يستحق السلام.




