
محمد تاج الدين الحلو
المملكة العربية السعودية ليست دولةً عادية في وجدان المسلمين، بل هي قبلة القلوب قبل أن تكون قبلة الصلوات، وحاضنة الحرمين الشريفين، ومركز ثقلٍ ديني وأخلاقي وإنساني لا يخفى على أحد. ومن هذا المقام الرفيع، يتطلع الشعب السوداني إلى دورٍ سعوديٍّ جامع، يُنقذ الأرواح ويُطفئ نار الفتنة، ويقف على مسافة واحدة من جميع أطراف الصراع، منحازًا فقط للإنسان والسلام.
إن ما يجري في السودان اليوم ليس صراع سلطة فحسب، بل مأساة إنسانية كبرى، تُرتكب فيها انتهاكات جسيمة بحق المدنيين ويُحرم الملايين من أبسط حقوقهم في الحياة والأمن والكرامة. إنها حرب يدفع ثمنها الأبرياء، بينما تغيب أصواتهم عن موائد السياسة، لكنها لا تغيب عن ميزان الضمير.
لقد أثار بيان وزارة الخارجية السعودية الأخير قلقًا واسعًا، لما تضمنه من إدانة لطرف بعينه، دون الإشارة إلى الانتهاكات المتكررة التي طالت القوافل الإنسانية والمدنيين العزل، أو استخدام الطيران والأسلحة الثقيلة ضد مناطق مأهولة بالسكان. إن هذا الموقف، بصورته الحالية، يُفهم على أنه اصطفاف مع أحد أطراف الحرب، وهو ما لا ينسجم مع المكانة الأخلاقية والدينية التي تمثلها المملكة.
ويزداد هذا القلق حين يُغفل التاريخ القريب للتضحيات التي قدمها أبناء السودان، ولا سيما قوات الدعم السريع، ضمن التحالف العربي في عاصفة الحزم، حيث قدّمت هذه القوات أكثر من ثلاثمائة شهيد دفاعًا عن أمن المملكة، وحمايةً لمقدسات الأمة الإسلامية، ولا تزال تقدم الشهداء حتى اليوم. إن هذه التضحيات لم تكن محل مساومة، بل جاءت انطلاقًا من إيمان عميق بوحدة المصير، وبقدسية الحرمين الشريفين، وبواجب الدفاع عنهما.
إن النظر إلى القضية السودانية بمعزل عن هذا السياق، أو تبني رواية طرف واحد، يُفقد الموقف توازنه، ويُضعف فرص السلام، بل قد يُفهم – عن غير قصد – على أنه دعم لقوى ارتبطت بانتهاكات جسيمة بحق المدنيين، وبممارسات تتعارض مع مبادئ الإسلام والقانون الإنساني الدولي.
وقد شهدت ولايات الجزيرة وكردفان وغيرها جرائم مروعة بحق المدنيين، شملت القتل خارج نطاق القانون، وتدمير القرى، واستهداف الأعيان المدنية، وهي أفعال لا يقرّها دين، ولا أخلاق، ولا عرف إنساني. كما أن استخدام الطيران والأسلحة المحظورة دوليًا ضد المواطنين الأبرياء يمثل جريمة لا يجوز الصمت عنها أو تبريرها.
إننا نؤمن يقينًا بأن خادم الحرمين الشريفين، بما يمثله من رمزية ومكانة في العالمين العربي والإسلامي، قادر على أن يكون صوت الحكمة،
وحامي الدم السوداني. ونطمع في دورٍ سعوديٍّ يُترجم المحبة الصادقة التي يكنّها الشعب السوداني للمملكة إلى فعلٍ سياسي شجاع، يقف على مسافة واحدة من الجميع، ويدعم مبادرات وقف الحرب، ويُمهّد لحلٍ سياسي عادل وشامل يحفظ وحدة السودان ويصون كرامة شعبه.
إن الحل السياسي هو الطريق الوحيد لإنهاء هذه المأساة. وكل تأخير في تبنيه يعني مزيدًا من الأرواح المهدرة، ومزيدًا من الأمهات الثكالى، ومزيدًا من الأطفال الذين يكبرون على صوت المدافع بدلًا من صوت الحياة.
هذا نداء صادق، نابع من الحرص لا الخصومة، ومن الأمل لا الاتهام. نداء يقول إن المملكة العربية السعودية، إن اختارت طريق الحياد الإيجابي، قادرة على أن تكتب فصلًا مضيئًا في تاريخ السودان، فصلًا عنوانه: السلام




