الاتحاد الإفريقي أمام اختبار المبادئ: هل يُكافَأ انقلاب 25 أكتوبر بالاعتراف !؟
السفير عادل إبراهيم مصطفي

السفير عادل إبراهيم مصطفي
كشفت وسائط إعلامية سودانية عن تحرُّكاتٍ تقودها مصر داخل الاتحاد الإفريقي، بالتنسييق مع الجزائر، لإقناع الدول الأعضاء برفع تعليق عضوية سلطة بورتسودان الانقلابية. وكان الاتحاد قد علَّق عضوية السودان عقب انقلاب 25 أكتوبر 2021، استنادًا إلى «الميثاق الإفريقي للديمقراطية والانتخابات والحكم» وإلى الإطار المعياري الرافض للتغييرات غير الدستورية للحكومات.
وليست هذه المحاولة الأولى. فقد سعت القاهرة، منذ وقوع الانقلاب، إلى إعادة تسويق السلطة الانقلابية داخل المنظومة الإفريقية. غير أن تلك المساعي اصطدمت بتمسُّك الاتحاد بمبادئه، وباشتراطه وقف الحرب واستئناف مسار الانتقال المدني الديمقراطي قبل أيِّ إعادة نظر في وضع السودان.
ينصُّ الميثاق الإفريقي، في مادته الثالثة والعشرين، على رفض وإدانة أيِّ تغييرٍ غير دستوري للحكومات. كما تُلزم المادة الخامسة والعشرون الدولَ الأعضاء بعدم الاعتراف بالسلطات المنبثقة عن تلك التغييرات. وانطلاقًا من هذه النصوص، قرَّر مجلس السلم والأمن تعليق مشاركة السودان في أنشطة الاتحاد إلى حين استعادة النظام الدستوري. لذلك فإن أيَّ تراجعٍ عن هذا الموقف لا يُعدُّ مجرد خطوةٍ إجرائية، بل مساسًا مباشرًا بالأساس القانوني الذي يقوم عليه الاتحاد.
إنَّ رفع التعليق في ظلِّ استمرار الحرب وغياب سلطةٍ مدنيةٍ انتقاليةٍ ذات شرعيةٍ توافقية سيُضعف مصداقية الاتحاد الإفريقي. وسيبعث برسالةٍ خطيرة مفادها أن الانقلابات يمكن أن تُفضي، في نهاية المطاف، إلى الاعتراف والتطبيع. وهذه سابقةٌ تهدِّد بإرباك المعايير القارية، وفتح الباب أمام مغامراتٍ عسكريةٍ جديدة في قارةٍ عانت طويلًا من حكم الدبابات.
أما في الحالة السودانية، فإن خطورة انقلاب أكتوبر 2021 تتجاوز كونه إجراءً عسكريًا أطاح بشراكةٍ انتقاليةٍ هشَّة. لقد أوقف مسارًا كان يسعى، رغم عثراته، إلى تفكيك بنية الاستبداد وبناء مؤسساتٍ مدنيةٍ خاضعةٍ للرقابة والمساءلة. كما أعاد عناصر النظام السابق إلى مفاصل الدولة، في تحدٍّ صريحٍ لإرادة شعبٍ قدَّم تضحياتٍ كبيرة من أجل الحرية والسلام والعدالة.
ولم تقف التداعيات عند حدود السياسة. فقد أسهم الانقلاب في تعميق الانقسام داخل المؤسسة العسكرية، ومهَّد لانفجار الحرب التي أودت بحياة الآلاف وشرَّدت الملايين. وتحوَّل السودان إلى إحدى أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. وبذلك غدا انقلاب 25 أكتوبر محطةً مفصلية أعادت البلاد سنواتٍ إلى الوراء، وأدخلتها في دوامةٍ من العنف والفوضى ما تزال مستمرة.
إنَّ التمسُّك بتعليق عضوية سلطة بورتسودان الانقلابية ليس إجراءً عقابيًا فحسب، بل أداةٌ معيارية لحماية الشرعية الدستورية في القارة. فالاتحاد الإفريقي، منذ «إعلان لومي» عام 2000، بنى لنفسه رصيدًا مهمًا في مواجهة التغييرات غير الدستورية. والتراجع اليوم سيُبدِّد هذا الرصيد، ويُضعف قدرته على التأثير في أزماتٍ مشابهة مستقبلًا.
وفي المقابل، فإنَّ دعم الإرادة الشعبية بوصفها أساس الشرعية يرفع الكلفة السياسية والأخلاقية للانقلابات. كما يوفِّر سندًا قاريًا للقوى المدنية، ويُرسِّخ معيارًا موحَّدًا لمعالجة الأزمات الدستورية. وهذا هو الطريق الأقصر نحو ترسيخ الحكم الرشيد، وسيادة حكم القانون، والتداول السلمي للسلطة في إفريقيا.
إنَّ الاتحاد الإفريقي اليوم أمام اختبارٍ حقيقي: إما أن يثبت أن مبادئه فوق الحسابات السياسية الآنية، أو يسمح بأن يتحوَّل ميثاقه إلى نصٍّ بلا أثر. وأيُّ تراجعٍ عن موقفه من انقلاب السودان لن يكون مجرد قرارٍ عابر، بل سابقةً تُهدِّد مستقبل النظام الدستوري في القارة بأسرها.




