
سهيبه مريش
لطالما كان السودان مسرحًا للتحولات السياسية والاجتماعية المتعاقبة، شهد انقلابات وانتفاضات وتغييرات جذرية في السلطة، ومع ذلك ظلت المعضلة الأساسية التي تعيق تقدمه وتعمق أزماته قائمة ومستعصية على الحل. تنطلق فرضية محورية هنا مفادها أن أي تغيير يطرأ على المشهد السوداني دون إصلاح حقيقي وجذري لمنظومة القوانين السارية يكون تغييرًا سطحيًا، يفتقر إلى العمق والاستدامة. إن المشكلة الحقيقية في السودان لا تكمن فقط في هوية الحاكم أو شكل النظام السياسي الظاهري، بل تتجذر بعمق في الإطار التشريعي الذي يحكم حياة الأفراد والعلاقات بين السلطات والمؤسسات.
المنظومة القانونية هي العمود الفقري لأي دولة حديثة، فهي التي تحدد قواعد اللعبة، وتضمن حقوق المواطنين، وتفصل في النزاعات، وتضع الضوابط على ممارسة السلطة. في السياق السوداني، شهدت القوانين عبر العقود الماضية توظيفًا سياسيًا واضحًا لخدمة أجندات محددة، سواء كانت أيديولوجية أو سلطوية. عندما يتم استبدال نظام بآخر، يكتشف المراقبون أن القوانين الجوهرية التي تكرس الاستبداد أو التمييز أو تمنح حصانات مفرطة للسلطة التنفيذية غالبًا ما تبقى كما هي، يتم تجميلها شكليًا أو تكييفها بمرسوم مؤقت لا يعكس إرادة شعبية حقيقية أو توافقًا مجتمعيًا واسعًا.
إن التغيير الظاهري، كإقالة حكومة أو حل برلمان أو حتى التوقيع على اتفاق سلام هش، يصبح بلا جدوى إذا لم تتوازَ هذه التحولات مع مراجعة شاملة للقوانين الأساسية. لنأخذ مثالًا واضحًا وهو مسألة العدالة الانتقالية وحقوق الإنسان. يمكن تشكيل لجان للتحقيق في انتهاكات الماضي، ولكن دون تعديل القوانين الجنائية والإجرائية، أو إلغاء القوانين التي سمحت بتفشي الإفلات من العقاب، تظل هذه اللجان مجرد محاولات لتهدئة الرأي العام دون ضمانات حقيقية للمحاسبة المستقبلية. القوانين التي تشرعن جهاز أمن قديم أو التي تعطي صلاحيات واسعة للقوات المسلحة خارج الإطار الدستوري، إذا لم تُستبدل بضوابط تشريعية صارمة، فإنها تضمن عودة نفس الممارسات تحت مسميات جديدة.
المعضلة القانونية تتجلى بوضوح في التفاوت التشريعي بين المواطنين. القوانين السودانية غالبًا ما كانت تعكس إرثًا ثقيلاً من التمييز على أساس النوع، أو الدين، أو الانتماء الجغرافي. إذا تغيرت الحكومة وظلت القوانين المدنية أو الأحوال الشخصية قائمة على أسس تمييزية، فإن نصف المجتمع أو أكثر سيظل يعاني من تهميش مؤسسي. التغييرات الثورية الحقيقية تتطلب تفكيك هذه البنى التشريعية التي تمنع تحقيق المساواة الفعلية. فالدستور، الذي هو أعلى القوانين، إذا لم يتم صياغته عبر عملية تشاركية واسعة، فإنه يظل مجرد وثيقة سلطة لا وثيقة عقد اجتماعي، وما يترتب عليه من قوانين فرعية سيظل أدوات لترسيخ الهيمنة بدلاً من بناء المواطنة المتساوية.
علاوة على ذلك، فإن غياب الإطار القانوني القوي والواضح يعيق التنمية الاقتصادية المستدامة. الاستثمارات تحتاج إلى ثقة، وهذه الثقة لا يمكن أن تولدها وعود سياسية عابرة، بل تحتاج إلى قوانين واضحة تحمي حقوق الملكية، وتضمن شفافية التعاقدات الحكومية، وتوفر قضاءً مستقلاً وفعالًا لفض النزاعات التجارية. عندما تكون القوانين الاقتصادية مرنة وقابلة للتأويل بما يخدم مصالح النخبة الحاكمة، فإن أي تغيير في رأس النظام لا يغير من مخاطر البيئة الاستثمارية. يظل القطاع الخاص غير قادر على التنبؤ بمستقبله التشريعي، مما يدفع رؤوس الأموال إما إلى خارج البلاد أو إلى التحالف مع السلطة القائمة لتأمين مصالحه عبر ترتيبات غير شفافة، وليس عبر المنافسة العادلة المنصوص عليها قانونيًا.
القصور التشريعي يضعف أيضًا المؤسسات الانتقالية. في الفترات التي تلي الصراعات أو الثورات، يتم الاعتماد بشكل كبير على المراسيم والقوانين العسكرية المؤقتة لتسيير شؤون الدولة. هذه المراسيم، التي تتجاوز الإجراءات التشريعية العادية، تمنح صلاحيات استثنائية للجهات التنفيذية والأمنية، مما يخلق سوابق خطيرة. حتى لو كانت النوايا حسنة في البداية، فإن هذه المراسيم تتآكل بمرور الوقت وتصبح أدوات سهلة للعودة إلى الاستبداد. الاستدامة الحقيقية للتغيير تأتي فقط من تمرير القوانين عبر هيئة تشريعية منتخبة أو توافقية تتمتع بالشرعية والمصداقية، تخضع للمساءلة العامة.
بالنظر إلى التجربة السودانية المعاصرة، نجد أن محاولات التغيير التي ركزت على إعادة توزيع المناصب القيادية دون معالجة القوانين التي منحت تلك المناصب سلطات مطلقة كانت محكومة بالفشل. فالقوانين التي تنظم عمل المؤسسات الأمنية والعدلية والمالية هي التي تحدد حقيقة ميزان القوى. طالما بقيت هذه القوانين بمنأى عن الإصلاح، ستظل الصراعات تدور حول السيطرة على أدوات السلطة القائمة قانونيًا، بدلاً من تغيير تلك الأدوات نفسها.
في الختام، إن التغيرات السياسية في السودان، مهما كانت حركية أو شعبية، تظل كمن يبني قصرًا على رمال متحركة ما لم يتم إصلاح الأساس التشريعي. المعضلة الحقيقية تكمن في القوانين التي تسمح بإنتاج الاستبداد أو التمييز أو الفساد بشكل منهجي. الانتقال الحقيقي والدائم نحو دولة تحترم سيادة القانون يتطلب عملية إصلاح تشريعي شاملة وشفافة، تشارك فيها كافة مكونات المجتمع لصياغة إطار قانوني حديث وعادل. بدون هذا الإصلاح الجذري، سيبقى كل تغيير مجرد محطة عابرة في سلسلة طويلة من الإحباطات، حيث تعود القوانين القديمة، بأقنعة جديدة، لتفرض واقعها على طموحات الشعب. إن إنفاذ القانون يجب أن يكون القوة الدافعة، وليس مجرد تابع لإرادة الحاكم اللحظية.




