رأي

مقال الخميس… تمثال.. البرهان!!

دكتور عمر القراي

 

(مَا هَٰذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ)

صدق الله العظيم

د. عمر القراي

ما هي العلاقة المتلبسة بين الإخوان المسلمين والتماثيل؟ فهذه ليست المرة الأولى، التي صنعوا فيها تمثالاً، خلال الثلاث سنوات الماضية. فقد صنعوا تمثالاً كبيراً، لحميدتي، وأقاموا لذلك احتفالاً كبيراً، يتقدمه نفس الوزير الإعيسر، وقام الإعيسر بضرب تمثال “حميدتي”، وتبعه تابعو الإخوان المسلمين، يضربون التمثال المسكين ويحطمونه وهم يهللون ويكبرون ويضحكون، ولم يسألهم أحد عن هذا السفه واللعب بأموال الشعب!! وبطبيعة الحال، ولم يضر “حميدتي” كونهم ضربوه، في أوهامهم، وأحلامهم، ما دام هو يضربهم في الواقع، ويحتل مدنهم، ويغنم سلاحهم، ثم يفتح لهم الممرات الآمنة ليولوا هاربين!!

غير أن التمثال هذه المرة، كان للبرهان نفسه، وهو يحتضن المرأة، التي صوروها في اعلامهم الكاذب، كواحدة من اللائي هربن من الفاشر، بسبب دخول قوات الدعم السريع إليها. والحقيقة أنهم يعلمون أن معسكر الدبة، كذبة من أكاذيبهم، وإن من فيه لم يأتوا من دارفور أصلاً، كما ذكر عبد الرحمن عمسيب وهو منهم، في تسجيل فيديو. لقد كان هدف تقتيل مواطني أحياء “مايو”، و”جنوب الحزام” بالخرطوم، بتلك الصور البشعة، وهدم بيوتهم، وبيوت مواطنين في شرق النيل، هو ارهابهم، وارغامهم لتبرئة أنفسهم، من تهمة التعاون مع الدعم السريع، بالانخراط كمستنفرين مع الجيش. وحتى يضمنوا ولاءهم، أخذوا نساءهم وأطفالهم رهائن، ووعدوهم بنقلهم لمنطقة آمنة، وأقاموا لهم معسكر في الدبة. فالمرأة التي حضنها البرهان، من أجل الكسب الإعلامي، هي إحدى ضحاياه، اللاتي أُبعدن عن أسرهن، بعدما أجبر جيش البرهان، الذي هدم منازلهم، رجالهم وأبناءهم على القتال معه، ثم جاء يتاجر بمآسيهم، على هذا النحو المقرف!!

ان علاقة الإخوان المسلمين بالتماثيل متلبسة، لأنهم يدّعون أنهم جماعة إسلامية، تسعى لتطبيق الشريعة الإسلامية، ويزعمون أن حربهم هذه جهاد في سبيل الله، وأن قتلاهم شهداء، ترفرف ارواحهم تحت عرش الرحمن، كما قال علي كرتي. وهم في نفس الوقت، يعلمون أن عمل التماثيل والصور حرام في الشريعة، وأنها تعتبر اصنام، لا يجوز صنعها، ولا بيعها، ولا شراؤها، وعلى الحاكم إن وجدها إزالتها على الفور. أما إذا فعلها هو نفسه، فقد فارق الشريعة الإسلامية، ويجب على المسلمين خلع بيعته، وعزله، لأنه عصى الله، وارتكب المنكر، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ولقد سبق للمتطرفين من جماعة الإخوان المسلمين، تحطيم تمثال غاندي، الذي كان في صينية شمال مستشفى أمدرمان، ووجه وزير الثقافة والاعلام، في حكومة المخلوع البشير، بإزالة تمثال بعانخي من المتحف القومي، باعتباره صنم!! وحتى بعد الثورة، حطموا تمثال الشاب الثائر الشهيد عبد العظيم، بحجة إزالة المنكر. أما تمثال البرهان، فلم يجرؤ أحد على تحطيمه، وإزالة للمنكر. وحتى حين اعترضت عليه هيئة علماء السودان، جاء اعتراضها ملطفاً، فقد قال قائلهم (التماثيل بالجماع محرمة ولا يجوز نصبها في بلاد المسلمين ويجب على من مكّنه الله تعالى ان يزيلها ولا يسمح بها وهي كل صورة لذي روح انسان كان أو حيوان… وقد صدرت فتوى سابقة من مجمع الفقه الإسلامي في تحريم التماثيل التي كانت توضع في الحدائق العامة…مثل هذه الأمور لا ينبغي للسيد الرئيس ان يسمح بها خصوصاً في مثل هذا الوقت…. يجب ان نتدارك هذه الفتنة بالتي هي أحسن وعدم الجدال في هذه المسألة وترك ذلك للعلماء فهم ان شاء الله سيقومون بالواجب في انكار هذا المنكر). ولم يؤثر بيان العلماء الضعيف في الأمر، ولم يحفل بهم البرهان، وظل تمثال البرهان قائماً في شارع النيل بأمدرمان. ولاذوا هم بالصمت بدعوى عدم اثارة الفتنة!! ثم خرج علينا الضابط إبراهيم الحوري، الأخ المسلم، الذي كان رئيسا تحرير صحيفة القوات المسلحة سابقا فقال (لا يجوز لمسلم ان ينحت تمثالاً لشيء من ذوات الأرواح سواء كان لنفسه أو لغيره وقد اجمع العلماء على تحريم ذلك) ولكنه يريد أن يجد لقائده، ورفيقه في التنظيم البرهان مخرجاً، ولذلك قال (روى البيهقي عن ابن عباس أن الصورة الرأس فإذا قطعت الرأس لا تعتبر صورة)!! وهكذا حتى يدرأ الحرج يفتي هذا المهووس الابله بقطع رأس تمثال البرهان، حتى تزول الحرمة عنه، مع أن قطع رأس أي تمثال، يعنى إلغاء هويته فلا يعرف، وينتفي الغرض من وجوده!!

على أنني أود أن أوضح لمن عسى يحتاج لتوضيح أنني هنا أحاكم الإخوان المسلمين بفهمهم للإسلام وهو فهم خاطئ. فالصور والتماثيل حرمت في الشريعة لحكمة قرب عهد عبادة الأصنام سداً للذريعة وإبعاداً لفتنة الحنين اليها والذي يكون في نفوس من عبدوها هم وآبائهم سنين عددا أما اليوم فقدت انتفت حكمة التحريم ولذلك يصبح الرسم والصور والنحت والتماثيل وكل أنواع الفنون حلال في أصل الدين.

ومهما يكن من أمر، فإن الذين التحقوا من النفعيين، والانتهازيين، بحكومة الإخوان بآخرة، ولم يعرف عنهم أي اهتمام سابق بالدين، من أمثال خالد الإعيسر، فغرضهم تملق البرهان، حفاظاً على مواقعهم، ثم ما يمكن ان يجنوا من مثل هذه الصفقات المشبوهة، من أكل أموال الشعب بالباطل. فقد تسرب خطاب رسمي، من وزير الثقافة والاعلام، خالد علي الإعيسر، الى وزير المالية، يطلب منه التصديق بمبلغ 300 ألف دولار، تكلفة تمثال البرهان، الذي قامت بصناعته شركة صينية. ويظهر على الخطاب، تعليق وزير المالية، بالتصديق، وتحويل الموضوع الى محافظ بنك السودان. ومع تسرب هذه الوثيقة، بدأت التساؤلات تثور من كثير من المهتمين، بالشأن العام، حول تناسب المبلغ الضخم، مع مجرد تمثال من البرونز. فصدر خطاب استيضاح، من نيابة مكافحة الثراء الحرام، الى السيد الإعيسر وزير الثقافة والاعلام ومما جاء في ذلك الخطاب الرسمي المسرب (نطلب منكم تقديم افادة مكتوبة توضح الآتي: 1- أوجه صرف المبلغ المذكور مع بيان توضيحي لذلك. 2- مدى توافق هذا الصرف المالي مع اللوائح المنظمة للتصاديق وأذونات الصرف المعتمدة. 3- تفسيركم لمدى تناسب مبلغ (300,000 دولار) مع طبيعة هذا الصرف والذي يتعلق بتمثال من البرونز، وفقاً لما ورد في المستندات الأولية. يرجى تقديم الإفادة المطلوبة في موعد أقصاه (خمسة أيام عمل) من تاريخ استلام هذا الخطاب، وذلك الى نيابة مكافحة الثراء الحرام والمشبوه بمدينة بورتسودان. توقيع: مستشار بخاري إبراهيم آدم إبراهيم رئيس نيابة مكافحة الثراء الحرام والمشبوه).

على أننا لو تجاوزنا كل ذلك، كيف نصنع تمثالاً، تمجيداً لعبد الفتاح البرهان، هو رجل مجرم، يداه ملطختان بدماء السودانيين، منذ عام 2003م في دارفور، فهو:

_ قد كان مع كوشيب، وموسى هلال، وهم من قتلوا، واغتصبوا، وحرقوا قرى أهالي دارفور، وكان يزهو بنفسه ويقول أنه “رب الفور”.

_ أول رئيس سوداني، تتهمه امرأة سودانية، في فيديو بالصورة والصوت، بأنه اغتصبها، وقتل أمها، حينما كان ضابطاً للجيش في دارفور. ثم هو لا ينفي الواقعة، ولا يحقق فيها، ويحاول قتلها بالصمت عنها.

_ سعى الى إخماد ثورة ديسمبر العظيمة، بالأمر بقتل الشباب دون رحمة، في اعتصام القيادة العامة. فقتل أكثر من ألف شاب وشابة، وحرقت خيامهم واغتصبت النساء داخل مسجد جامعة الخرطوم، وأنكر فض الاعتصام، حتى اعترف به الفريق كباشي.

_ اتفق مع المدنيين في حكومة حمدوك، ثم غدر بهم، ونقض العهد، وانقلب عليهم، واعتقلهم في 25 أكتوبر 2021م.

_ في 15 أبريل 2023م دفعه حلفاؤه من الاخوان المسلمين، فأشعل الحرب بالهجوم على الدعم السريع، وتحمل وزرها، ووزر ما آلت اليه البلاد، وما عانى العباد، منذ ذلك اليوم حتى الآن.

_ في أثناء الحرب، وجه بضرب المدنيين بالطيران السوداني والمصري، في القرى، والأسواق، وبيوت المناسبات، وقتل الآلاف من المدنيين، وهدم بيوتهم، وحطم مستشفياتهم ومدارسهم وأسواقهم كما قام جيشه بتحطيم الكباري، والمنشآت العامة.

_ لم يوقف، أو يحاسب، أو يعتذر عن أعضاء جيشه، الذين بقروا البطون، وقطعوا الرؤوس، ونبشوا القبور، وأقاموا المحاكم الصورية، التي حكمت بالإعدام، على من اتهموهم دون دليل بالتعاون مع الدعم السريع، بينما استقبل بالترحاب، من عاد اليه من الدعم السريع، أمثال كيكل وبقال.

_ رفض كل دعوة إقليمية، أو دولية، بالتفاوض، بغرض إيقاف الحرب، أو عمل هدنة إنسانية يتم بموجبها إيصال الإغاثة للشعب المنكوب. وكان يجند اعلامه، لاتهام كل من ينادي بوقف الحرب، بالخيانة، والعمالة، رغم أنه يحارب معه التقراي، والمصريون، ويستخدم جيشه وميليشياته الأسلحة الإيرانية، والتركية.

_ اشتهر بالكذب، والتناقض، واللعب على الحبلين، والتصريحات المتضاربة، وفي خطاب أخير من خطاباته قال (اخوان مسلمين قاعدين وين في الجيش ده؟ أين هم؟ تعالوا افرزوا لينا هنا الاخوان المسلمين.. جيش مسيطرين عليه الاخوان المسلمين، والدولة مسيطرين عليها الاخوان المسلمين، وين الكلام دا؟) وفي نفس الاجتماع، كان معه نائب رئيس جهاز الأمن والمخابرات، الفريق محمد عباس لبيب، وهو اخ مسلم منذ ان كان في حنتوب الثانوية. ورئيس جهاز الأمن احمد مفضل، عضو الاتجاه الإسلامي، بكلية التجارة جامعة الزقازيق، وقد عمل في الوكالة الإسلامية للإغاثة، ومنظمة الدعوة الإسلامية، قبل أن ينضم للمخابرات. ووزير الخارجية محي الدين سالم، عضو الاتجاه الإسلامي، بكلية القانون جامعة الخرطوم. ووزير العدل محمد عبد الله درف، عضو الاتجاه الإسلامي، منذ الدراسة، ومعتمد محلية ريفي كسلا، في زمن الإنقاذ، ورئيس اللجنة العليا لإعادة انتحاب البشير. ووزير المالية جبريل إبراهيم أخ مسلم معروف. ولقد ذكر أمين حسن عمر، أن البرهان نفسه، كان معتمد في نيرتتي بدارفور، وبحكم منصبه، كان رئيس المؤتمر الوطني في المنطقة. وهناك فيديو الجنود والضباط، الذين ظهروا، وهم ينشدون “نحن الكيزان ما فينا جبان”.

إن البرهان قد بلغ من السوء والوضاعة، بحيث لا يصح أن يُدفن، في باطن أرض السودان، دع عنك أن يُجعل له تمثال فوقها.

27 نوفمبر 2025م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!