
نجم الدين دريسة
الدول لا تسقط حين تضعف مواردها، بل حين تعجز نخبها عن تخيّل عقدٍ وطنيٍّ يتسع للجميع.
ليس من اليسير أن تُرسى دعائم دولة مدنية قومية موحدة في مناخ تتنازعه الاستقطابات الحادة والاستقطابات المضادة، وتتجاذبه انقسامات مجتمعية عميقة تتغذى على تركيبة إثنية وعشائرية ومناطقية معقّدة. فحين تنكفئ الجماعات على انتماءاتها الضيقة، ويتراجع مفهوم المواطنة الجامعة أمام ولاءات ما قبل الدولة، يصبح المشروع الوطني أقرب إلى فكرة مؤجلة منه إلى أفقٍ قابل للتحقق.
المعضلة السودانية، في أحد أوجهها، ليست معضلة موارد أو جغرافيا أو حتى تنوع؛ بل هي، في جوهرها، معضلة نخبةٍ تاريخيةٍ أغلقت المجال العام، واستأثرت بالسلطة والثروة، وربطت مصالحها ببنيةٍ ريعيةٍ حافظت على امتيازاتها عبر التحالفات الخارجية والداخلية. هكذا تشكّلت أوليغارشيا سياسية – مدنية وعسكرية – أعادت إنتاج ذاتها عبر الحقب، وأدارت الدولة لا بوصفها إطاراً جامعاً للمواطنة، بل كغنيمةٍ تُقتسم أو حارساً يُستأجر لضبط المجتمع.
في هذا السياق، لم يتطور الجيش كمؤسسةٍ وطنيةٍ خاضعةٍ لإرادة مدنية ديمقراطية، بل ظلّ – في وعي قطاعات واسعة – أداةً صلبة في يد السلطة، تتقدم حين تتراجع السياسة، وتملأ الفراغ كلما تعثّر التوافق. وقد تراكم هذا الإرث حتى باتت العلاقة بين المؤسسة العسكرية والمجتمع مثقلةً بالشكوك والمرارات، الأمر الذي أعاق بناء الثقة الضرورية لأي انتقالٍ مدنيٍّ مستقر.
أما الأحزاب السياسية، فقد واجهت هي الأخرى امتحان البناء القومي والمؤسسي ولم تنجُ منه كاملاً. إذ غلبت على كثير منها سمات الطائفية أو العقائدية أو الجهوية، وتحوّلت إلى هياكل مغلقة تعكس بنيات المجتمع التقليدية أكثر مما تسعى لتجاوزها. بعض الأحزاب ذات المرجعيات الدينية ظلّ مرتبكاً إزاء مفهوم الدولة الوطنية القائمة على المواطنة المتساوية، فيما عانت قوى أيديولوجية أخرى من تصلّبٍ مفاهيمي أو انقطاعٍ عن تحولات الواقع. وهكذا بقيت فكرة الدولة المدنية أسيرة شعاراتٍ لامعة، لا سند مؤسسياً راسخاً لها.
غير أن الإقرار بعمق الأزمة لا يعني الاستسلام لها. فالتاريخ يُظهر أن الدول متعددة الأعراق والثقافات لا تتماسك بالإنكار، بل بالاعتراف الواعي بالتنوع وإدارته عبر مؤسساتٍ دستورية عادلة. السودان، بتعدديته الثقافية واللغوية والدينية، يملك مقومات التحول إلى نموذجٍ ثريٍّ لإدارة الاختلاف، شرط أن يُعاد تعريف الدولة بوصفها عقداً اجتماعياً طوعياً، لا امتداداً لهيمنة جماعة أو تحالف.
إن بناء دولة مدنية قومية يقتضي، أولاً، تفكيك البنية الأوليغارشية التي تحتكر القرار والموارد، عبر إصلاحاتٍ دستورية تعيد توزيع الصلاحيات، وتكرّس استقلال القضاء، وتؤسس لرقابةٍ برلمانية ومجتمعية فعّالة. كما يقتضي إعادة صياغة العلاقة بين المدني والعسكري على قاعدة المهنية والحياد، بحيث تُصبح المؤسسة العسكرية حارساً للدستور لا لاعباً في السياسة.
وثانياً، يتطلب الأمر ثورةً داخل الأحزاب نفسها: تحديثاً في الهياكل، وشفافيةً في التمويل، وتجديداً في القيادات، وبرامج واقعية تعالج قضايا التنمية المتوازنة والعدالة الاجتماعية. لا يمكن لمؤسساتٍ تقليدية أن تُنتج دولةً حديثة؛ ولا يمكن لخطابٍ إقصائي أن يبني وطناً يتسع للجميع.
وثالثاً، لا بد من مشروع وطني لإدارة الموارد والمقدرات إدارةً راشدة، تكسر الحلقة المفرغة بين التهميش والصراع. التنمية المتوازنة ليست ترفاً اقتصادياً، بل شرطاً للاستقرار السياسي. حين يشعر المواطن في الهامش بأن نصيبه من الدولة محفوظ، تتراجع قابلية الاحتماء بالقبيلة أو الجهة.
إن السودان لا تنقصه الطاقات ولا الرصيد الثقافي؛ بل تنقصه إرادة سياسية تعترف بأن زمن الهيمنة الأحادية قد انقضى. فالدولة المدنية ليست نقيضاً للدين ولا للهوية، بل هي الإطار الذي يضمن للجميع حق الاختلاف دون خوف، والمشاركة دون وصاية، والمساءلة دون انتقام.
قد يبدو الطريق وعراً في ظل الاستقطاب الراهن، غير أن البديل – وهو استمرار التفكك – أكثر كلفةً وأشد خطراً. ومن رحم الأزمات الكبرى تولد لحظات وعيٍ فارقة، تعيد تعريف معنى الوطن. فإما أن تتصالح النخبة مع فكرة المواطنة المتساوية وتغادر إرث الامتياز، أو سيبقى السودان رهين دورةٍ مفرغة من الصراع.
الدولة المدنية ليست شعاراً يُرفع في المواسم، بل بنيةٌ تُبنى بإرادةٍ صلبة وصبرٍ طويل. وحين يتحول التنوع من ذريعةٍ للانقسام إلى مصدرٍ للإثراء، يمكن للوطن أن ينهض، لا كجغرافيا متنازعة، بل كفكرةٍ جامعة تليق بتاريخه وتطلعات شعبه.




