
تُروى عن سور الصين العظيم قصة ذات مغزى عميق؛ فقد اعتقد الصينيون القدماء أنهم حين شيّدوا ذلك السور المنيع، بلغ ارتفاعه مبلغًا لا يطاوله غازٍ ولا عدو، وأنه سيكون حصنًا لا يُخترق. غير أنّ المفارقة أن الصين تعرضت لغزوات متكررة، ولم يكن الغزاة بحاجة إلى تسلق السور أو تدميره، بل اكتفوا بدفع الرشاوى للحراس، فتُفتح البوابات من الداخل. لم يكن الخلل في الحجارة المصفوفة، بل في غياب الضمير الذي يحرسها، وفي غفلة العقول التي شغلت بالبناء المادي وأهملت بناء الإنسان. وهكذا تتجلى الحقيقة الكبرى: أنّ الإنسان هو أساس العمران، ولا قيمة للحجر ما لم يصنه وعيٌ حيّ ونفسٌ أمينة.
إن تأسيس الدول وبناءها عملية غاية في التعقيد، تتطلب تخطيطًا محكمًا وإرادة جماعية تتضافر فيها جهود الشعوب كافة. فالأوطان لا تُبنى بالقرارات وحدها، ولا بالهياكل الخرسانية مهما ارتفعت، بل بإرادة الناس وإحساسهم بالمسؤولية. إنه واجب أخلاقي مقدس يشترك فيه الجميع، لأن الدولة لا تُقام إلا بوعي أبنائها، وهم من يصون القيم ويحمي الأفكار ويقاوم السلوكيات الهدامة. ولهذا فإن أي مشروع بناء لا يضع الإنسان في قلبه محكوم عليه بالوهن مهما بدا شامخًا.
لقد أثبت التاريخ أن النهضة لا تقوم على الشعارات ولا على الرؤى المعلنة في الأوراق، بل على جهد متواصل ومثابرة دائمة. وهناك مقومات أساسية لا تنهض أمة من دونها: في مقدمتها التعليم، الذي يحرر العقول من الجهل ويمنحها القدرة على مواجهة الأزمات، ثم العدالة، تلك القيمة النبيلة التي وصفها ابن خلدون بأنها أساس العمران، إذ إن الظلم هو أسرع طريق إلى خراب المجتمعات. ويلي ذلك الأمن والسلام، لأنهما ضرورة لحياة الشعوب وضمان لمصالحها وتطلعاتها، ثم التعايش الاجتماعي المبني على مفهوم المواطنة المتساوية، حيث تختفي الفوارق المصطنعة، ويُناهَض خطاب الكراهية والعنصرية، وتُرصف الطرق نحو مجتمع متماسك يسوده الاحترام المتبادل.
ورغم قسوة الأنظمة وتسلط الحكام في بعض الأوطان، إلا أن الشعوب تظل مرتبطة ببلادها بحبل غليظ من الانتماء، إذ لا تستطيع أن تفلت من عشق الأرض مهما ضاقت بها الحياة. فالوطن، حتى وإن جار، يبقى وطنًا؛ وقد عبّر الشاعر عن ذلك بقوله:
بلادٌ ألفناها على كل حالةٍ
وقد يُؤلَف الشيءُ الذي ليس بالحَسَنِ
وتستعذب الأرضُ التي لا هوى بها
ولا ماؤها عذبٌ ولكنها وطنُ
وهكذا فإن بناء الدول لا يبدأ من الأسوار ولا من الحجارة، بل من بناء الإنسان نفسه. فحيثما يُستثمر في العقل والضمير والوعي، تقوم الدولة على أساس صلب لا تزلزله العواصف، ويولد وطن قادر على أن ينهض ويصمد في وجه كل التحديات، ولذلك فإن ضرورة التأسيس تقتضي ان يكون بناء الإنسان مقدما على العمران.
ودمتم.




