تقارير وتحقيقات

السنوط: دماء الأبرياء تحت أجنحة الطيران الحربي… مجزرة تهز الضمير السوداني

التنوير: تقرير

التنوير : تقرير 

 الصباح الذي لم يولد معه الأمل

في صباح يوم الإثنين، استيقظت مدينة السنوط بغرب كردفان على صدمة عنيفة هزت ضمائر الإنسانية. مركز إيواء للنازحين، يضم نساءً وأطفالاً وشيوخاً فارين من الحرب والدمار، أصبح هدفاً مباشراً للطائرات العسكرية. المشهد كان مأساويًا: 28 شهيداً بينهم 12 طفلاً و9 نساء، وسط حيرة وخوف السكان الذين لم يتصوروا أن الملاذ الآمن يمكن أن يتحول إلى مقبرة جماعية.

كان المبنى المستهدف في السنوط، وهو وحدة بيطرية، بمثابة ملاذ للنازحين من مدينتي الأبيض والرهد ومناطق الاشتباكات الأخرى في كردفان، لكنه أصبح تحت مرمى القصف المدفوع بتقديرات عسكرية غريبة عن الواقع المدني. لم تكن هناك جبهات قتال، ولا حاميات عسكرية، ما يجعل الحادثة بمثابة جريمة حرب مكتملة الأركان ضد الإنسانية.

  القصف: عندما تتحول الحماية إلى موت

بحسب المصادر المحلية، استهدفت طائرة مسيرة من طراز بيرقدار المبنى الذي كان يؤوي النازحين. لحظة وقوع الضربة، كان السكان نائمين، فارين من الموت في مناطقهم الأصلية، ومع ذلك انتهت حياتهم تحت أطنان المتفجرات.

ما حدث يكشف عقلية قتالية منحرفة لا ترى في المدنيين إلا أهدافاً شرعية للإبادة. النساء والأطفال، والجدود والشيوخ الذين فروا من صراعات سابقة، لم يكونوا إلا ضحايا برع القصف في اختطاف حياتهم، محولين مركز الإيواء إلى غربان موت تحلق بلا رحمة.

قائمة الضحايا: أرواح قُتلت بلا ذنب

أسماء الأطفال الذين فقدوا حياتهم تُظهر مدى فداحة الجريمة: عائشة (3 سنوات)، محمد خالد (3 سنوات)، علي (7 سنوات)، شيراز (6 سنوات). لم يشكل أي منهم أي خطر عسكري، ومع ذلك قضوا جميعًا تحت نيران لا تعرف الرحمة.

أما العائلات، فقد تم إبادتها كاملة في لحظة واحدة، حيث تشير قوائم الشهداء إلى تكرار أسماء الجد والأب والأحفاد، دلالة على أن الجريمة شملت جميع أفراد العائلة. هذا النمط من الاستهداف الممنهج للمواطنين الأبرياء يؤكد أن الحادثة ليست خطأ عابراً، بل جزء من استراتيجية ممنهجة لترويع المجتمع وكسر إرادته.

الصمت المريب: المجتمع الدولي أمام اختبار الضمير

على الرغم من الجريمة البشعة، لم يصدر أي تعليق رسمي من الجيش السوداني. في المقابل، تصاعدت الدعوات من نشطاء حقوق الإنسان ومنظمات محلية ودولية لفتح تحقيق مستقل وشفاف.

محمد صديق، ناشط حقوقي، يقول في تصريح لـ”سكاي نيوز عربية”:

“استهداف مواقع تؤوي نازحين مدنيين يُعد انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني، ويُعتبر جريمة حرب بموجب اتفاقيات جنيف ونظام روما الأساسي.”

الصمت الدولي، بحسب خبراء حقوقيين، يمثل تشجيعًا ضمنيًا على ارتكاب المزيد من الانتهاكات، ويضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لالتزامه بحماية المدنيين.

 السياسة والقيادة: مسؤولية عبد الفتاح البرهان

مجزرة السنوط ليست حادثة عابرة أو “خطأ فرديًا”، بل تعكس عقلية القيادة العسكرية في السودان. القائد الأعلى يتحمل المسؤولية السياسية والقانونية عن نتائج العمليات العسكرية التي تنفذ باسمه.

كل يوم يمر دون مساءلة علنية، يعمق الجرح ويكرس قاعدة خطيرة: القوة أولاً، والمواطن لاحقاً. استمرار القصف وسط التجمعات المدنية يعكس سلطة تحكم بمنطق الطوارئ الدائم، بعيداً عن حماية السكان، ويكشف ضعف الشفافية والمساءلة في القرارات العسكرية.

الانتهاكات الممنهجة: حرب على الإنسانية

السنوط تأتي ضمن نمط مستمر من استهداف المدنيين في كردفان ودارفور. العمليات العسكرية لم تعد مواجهة مسلحة بين الأطراف، بل أصبحت أداة لإرهاب المجتمعات المحلية وكسر إرادتها.

الاستهداف الممنهج لمراكز الإيواء والأسواق والمناطق السكنية يظهر أن هناك استراتيجية واضحة لا تفرق بين المدنيين والمقاتلين، وأن المجتمعات المحلية تتعرض لعنف ممنهج باسم “العمليات العسكرية”.

نداء عاجل للتحقيق والمحاسبة

الخبراء وناشطي حقوق الإنسان يؤكدون على ضرورة تشكيل لجنة تحقيق مستقلة وشفافة، ونشر تقارير دقيقة وموثقة للرأي العام المحلي والدولي.

كما دعا النشطاء إلى مساءلة المسؤولين عن القصف وضمان عدم إفلاتهم من العقاب، مع التركيز على إرساء آليات حماية مدنية حقيقية في المناطق المتضررة. هذا السبيل الوحيد لإيقاف نزيف الدم المستمر ولتأكيد سيادة القانون على السلوك العسكري.

التاريخ لا ينسى: دماء السنوط شاهدة على الجلاد

قد تُدفن الجثث سريعاً، وقد تُطوى الأخبار في دورة إعلامية قصيرة، لكن ذاكرة الشعب السوداني لن تنسى دماء النساء والأطفال الأبرياء.

السنوط ليست مجرد حادثة، بل امتحان لصدق المسؤولين في حماية المدنيين، واختبار لجدية القوى الوطنية والدولية في الوقوف إلى جانب الشعب. كل يوم يمر بلا مساءلة يعمّق الجرح ويترسخ منطق الإفلات من العقاب، مما يهدد استقرار الدولة والمجتمع على المدى الطويل.

مجزرة السنوط تمثل الفصل الأحدث في مسلسل طويل من الانتهاكات الممنهجة بحق المدنيين في السودان. هي نداء عاجل للعدالة الإنسانية، ولضرورة محاسبة القتلة ومراقبة عمليات الجيش السوداني. حماية المدنيين واحترام القانون الدولي ليست رفاهية، بل شرط أساسي لاستمرار أي دولة في استقرارها وصمام أمان للأجيال القادمة.

    دماء السنوط ستظل شاهدة على فداحة الجريمة، وعلى ضرورة تحقيق العدالة، مهما طال الزمن، وعلى أن السؤال الأخلاقي والسياسي يجب أن يُجاب قبل أن يكون الأوان قد فات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!