
نجم الدين دريسة
حين تُقصف القوافل الإنسانية، يسقط الادعاء الأخلاقي لأي حرب
في يناير من العام المنصرم، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على قيادة الجيش السوداني على خلفية اتهامات تتعلق باستهداف المدنيين. وقد شكّلت تلك الخطوة مؤشرًا واضحًا على أن المجتمع الدولي بات يتعامل بجدية مع تقارير الانتهاكات الجسيمة المرتكبة خلال النزاع. فالقضية لم تعد مجرد اشتباكات عسكرية بين أطراف متحاربة، بل تصاعدت إلى مستوى اتهامات بارتكاب جرائم حرب تشمل قصف الأعيان المدنية، واستهداف التجمعات السكانية، بل وحتى قوافل الإغاثة والمساعدات الإنسانية.
لقد وثّقت تقارير محلية ودولية حوادث قصف طالت شاحنات إغاثة ومخازن مساعدات، في خرق صريح لقواعد القانون الدولي الإنساني التي تحظر استهداف العاملين في المجال الإنساني أو عرقلة وصول الإمدادات للمدنيين. إن استهداف قوافل الغذاء والدواء لا يُعد فقط انتهاكًا قانونيًا، بل جريمة أخلاقية مضاعفة، لأنها تُمعن في معاقبة السكان المدنيين الذين أنهكتهم الحرب أصلًا.
كما طالت الغارات الجوية أحياء سكنية وأسواقًا ومراكز إيواء، وتكررت الاتهامات باستخدام ذخائر حارقة ومواد محرّمة دوليًا، وهي مزاعم خطيرة تتطلب تحقيقًا دوليًا مستقلًا ومحايدًا. فالمساس بالمدنيين، أياً كانت الذرائع، يقوّض أسس الشرعية، ويضع المؤسسة العسكرية أمام مساءلة قانونية وأخلاقية لا يمكن تجاهلها.
في خضم هذه الوقائع، يبرز جدل عميق حول طبيعة المؤسسة العسكرية السودانية ذاتها. إذ درج الخطاب الرسمي لعقود على تقديم الجيش باعتباره «مؤسسة وطنية خالصة» و«حامي السيادة»، غير أن قراءة تاريخ نشأته تكشف جذورًا استعمارية واضحة. فقد تأسست البنية العسكرية الحديثة في السودان في ظل الإدارة البريطانية، وصيغت عقيدتها الأولى بما يخدم أهدافًا أمنية استعمارية، لا مشروعًا وطنيًا جامعًا. ومع الاستقلال، لم تُجرَ مراجعة جذرية لتلك البنية، بل استمرت إلى حد بعيد في أداء دور سياسي يتجاوز حدود الوظيفة الدفاعية.
لقد ظل الجيش لاعبًا مركزيًا في الحياة السياسية، عبر انقلابات متكررة، واحتكارٍ للعنف دون رقابة مدنية فعّالة، ما جعله في نظر قطاعات واسعة عقبة أمام التحول الديمقراطي وبناء دولة المواطنة. فالدولة الحديثة تقوم على جيش مهني يخضع لسلطة مدنية منتخبة، لا على مؤسسة تتداخل فيها الأدوار الأمنية والسياسية والاقتصادية.
أما على المستوى الإقليمي، فقد أثار موقف مصر الداعم للقيادة العسكرية في السودان تساؤلات واسعة. فالقاهرة تنظر تقليديًا إلى استقرار المؤسسة العسكرية السودانية بوصفه جزءًا من أمنها القومي، في ضوء الروابط التاريخية والجغرافية وقضايا المياه والحدود. غير أن هذا الانحياز يُفسَّر لدى كثيرين باعتباره امتدادًا لنظرة تعتبر السودان مجالًا حيويًا تابعًا، لا شريكًا متكافئًا، وهو ما يعمّق الإحساس الداخلي بأن القرار الوطني ظل رهينًا لتقاطعات إقليمية تتجاوز مصلحة الشعب السوداني.
إن توصيف الجيش بأنه «جيش وطني» لا يمكن أن يكون مجرد شعار يُردَّد، بل حقيقة تُقاس بمدى التزامه بحماية جميع المواطنين دون تمييز، وامتناعه عن استهدافهم أو تسييس دوره. وأي سردية تتجاهل الانتهاكات الموثقة، أو تبررها، تتحول إلى أداة تضليل تُضعف الثقة بين الدولة والمجتمع، وتؤخر الاستحقاق التاريخي للمساءلة.
ما جرى خلال هذه الحرب من قصف مدنيين، واستهداف قوافل إنسانية، وتدمير للبنية التحتية يعكس أزمة بنيوية عميقة لا يمكن معالجتها بترتيبات سياسية مؤقتة أو تسويات فوقية. فجوهر الأزمة يتمثل في بنية عسكرية لم تُصمَّم أصلًا على قاعدة عقد اجتماعي وطني، ولم تخضع يومًا لرقابة مدنية حقيقية، بل ظلت فاعلًا مهيمنًا في السياسة والاقتصاد والأمن.
إن الطريق إلى الاستقرار لا يمر عبر إعادة إنتاج السرديات القديمة أو الاحتماء بشعارات السيادة المجردة، بل عبر مساءلة شفافة، وتحقيقات مستقلة، وعدالة تُنصف الضحايا وتردع الجناة. فالدولة التي تحمي قوافل الإغاثة لا التي تقصفها، وتصون المدنيين لا التي تعرّضهم للخطر، هي وحدها القادرة على استعادة شرعيتها الأخلاقية والسياسية.
ليس المطلوب إعادة تعريف هذا الجيش أو محاولة تجميل صورته عبر إصلاحات شكلية، بل الشروع في بناء وتأسيس جيش جديد كليًا، يقوم على أسس ومعايير وطنية متوافق عليها ومرضيٍّ عنها شعبيًا. فالمؤسسة القائمة، بتاريخها وبنيتها وعقيدتها، لا تعبّر عن مشروع وطني جامع حتى يُعاد تعريفها، ولا تصلح أرضية لإصلاح حقيقي. إنها تحوّلت إلى عقبة بنيوية أمام قيام دولة المواطنة، وإلى خطر داخلي يهدد أي مسعى لبناء دولة مستقلة ومستقرة، مما يجعل التأسيس الجديد ضرورة تاريخية لا خيارًا سياسيًا عابرًا.




