
عماد جدو
مجلس الأمن الدولي ينعقد اليوم 19 فبراير 2026م في جلسةٍ مفصلية للنظر في الحرب السودانية التي تدخل عامها الثالث، بينما تتسع رقعة الدمار الإنساني وتتآكل بنية الدولة. على الأرض، تبدو المعادلة العسكرية والسياسية أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، في ظل صراعٍ مفتوح بين الجيش وقوات الدعم السريع، وتكاثر التحالفات المسلحة، وانسداد الأفق التفاوضي.
من جهةٍ أولى، يقاتل الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان، الذي انتقل بمركز السلطة إلى بورتسودان بعد حصار القيادة العامة. ويواجه اتهامات من خصومه بعرقلة مسارات التفاوض التي انطلقت في جدة (الجولتان الأولى والثانية)، ثم في المنامة وجنيف، وصولًا إلى الآلية الرباعية التي ضمّت الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر.
قراءة بعض المراقبين تشير إلى أن تحالفات الجيش اتسمت بطابعٍ براغماتي هشّ؛ إذ ضمّت قوى من حركات مسلحة وشبكات تعبئة قديمة، مع غياب برنامجٍ سياسي جامع يحدد بوضوح مسار إنهاء الحرب أو شروط الجلوس إلى طاولة التفاوض. كما يُلاحظ افتقار هذا المعسكر إلى قيادةٍ موحّدة قادرة على فرض رؤيةٍ واحدة على الحلفاء، ما يعمّق التباينات ويُبقي خيار الحسم العسكري حاضرًا بوصفه البديل الأسهل سياسيًا، وإن كان الأعلى كلفةً وطنيًا.
في المقابل، تقاتل قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو ضمن تحالفٍ أوسع ضمّ فصائل من الكفاح المسلح. وقد أُعلن في نيروبي عن ميثاقٍ سياسي توافقت عليه أطراف هذا التحالف، تضمن دستورًا انتقاليًا وتصورًا لتشكيل حكومة أُطلق عليها “حكومة السلام”، مع تبنّي مسارين: التفاوض أو الحسم العسكري. ويرى أنصار هذا الطرح أن التحالف يمتلك تماسكًا تنظيميًا أعلى، وانضباطًا في تنفيذ قرارات القيادة، ما يمنحه أفضليةً عملياتية في الميدان.
لكن، وبعيدًا عن سرديات الغلبة، يظل السؤال الجوهري: كيف تُبنى سلطةٌ مدنية في ظل تعدد البنادق؟ هنا يبرز تقاطعٌ لافت بين بعض أطروحات “تأسيس” وتحالف “صمود” حول ضرورة إنشاء جيشٍ مهني بعقيدةٍ جديدة، وفصل المؤسسة العسكرية عن السياسة والاقتصاد، وتشكيل حكومةٍ مدنية، وفتح الممرات الإنسانية. غير أن العقدة تكمن في “الضامن الأمني” للحكومة المدنية: هل تستند إلى بقايا الجيش وتحالفاته؟ أم إلى قوات التحالف المقابل؟ أم إلى قوةٍ أممية/أفريقية انتقالية؟
الواقعية السياسية تشير إلى أن أي حكومة مدنية بلا مظلةٍ أمنية موثوقة لن تصمد. والخيارات المطروحة كلّها عالية الحساسية: الاعتماد على طرفٍ داخلي يكرّس اختلال ميزان القوة، أو استدعاء مظلةٍ دولية تثير جدل السيادة. ومع ذلك، فإن تجارب الانتقال في دولٍ خارجة من نزاعاتٍ مشابهة تُظهر أن ترتيباتٍ أمنية مختلطة—تتضمن إعادة هيكلةٍ شاملة، ودمجًا مرحليًا، ورقابةً مدنية صارمة، ودعمًا إقليميًا—قد تكون أقرب إلى الممكن.
جلسة اليوم في مجلس الأمن لن تكون عصا سحرية. أقصى ما يمكن أن تفعله هو تثبيت وقفٍ إنساني لإطلاق النار، وتوسيع آليات المراقبة، وفرض كلفةٍ سياسية على معرقلي السلام، والدفع نحو مسارٍ تفاوضي مُلزِم بجدولٍ زمني. أما الحسم الحقيقي فسيظل مرهونًا بقدرة السودانيين—مدنيين وعسكريين—على إدراك أن استمرار الحرب ليس استراتيجية، بل استنزافٌ للدولة والمجتمع.
يدخل السودان عامه الثالث من الحرب وهو أمام مفترقٍ تاريخي: إما إعادة تأسيس الدولة على قاعدةٍ مدنيةٍ جامعة، أو ترسيخ منطق الغلبة المسلحة. وبين الخيارين، يقف المجتمع الدولي شاهدًا ومؤثرًا، لكن القرار النهائي سيُصنع في الداخل—عند لحظةٍ يتغلب فيها منطق الدولة على منطق البندقية.



