رأي

كمبالا: لحظة التحول الكبري

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

الدول لا تُعرَّف بخطاباتها، بل بقدرتها على إعادة تموضعها في اللحظة الفاصلة.

لم تكن زيارة رئيس حكومة “تأسيس” إلى كمبالا حدثاً بروتوكولياً عابراً، بل جاءت في سياق إقليمي ودولي شديد التعقيد، حيث تتقاطع معركة الميدان مع معركة الاعتراف، ويتداخل البعد الإنساني مع حسابات البحر الأحمر، وتتشكل خرائط النفوذ من جديد في القرن الإفريقي.

استقبال الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني للقائد محمد حمدان دقلو حمل أكثر من دلالة. فهو أولاً تثبيت لمسار إفريقي في مقاربة الأزمة السودانية، في وقت تتعدد فيه المبادرات وتتنازع فيه المنصات. وثانياً، رسالة واضحة بأن السودان ليس معزولاً عن عمقه القاري، وأن أي تسوية مستدامة لا يمكن أن تتجاوز دوائر شرق إفريقيا ومؤسسات الاتحاد الإفريقي والهيئة الحكومية للتنمية.

كمبالا، في هذا التوقيت، لم تكن مجرد عاصمة مستقبِلة، بل نقطة ارتكاز لإعادة التموضع. فبين ضغوط “الرباعية” الدولية، والدعوات الأميركية لهدنة إنسانية غير مشروطة، وتشدد قيادة الجيش بشأن شروط وقف إطلاق النار، تبدو الوساطة الإفريقية خياراً عملياً لكسر الجمود، وفتح ممرات إنسانية آمنة، وإعادة إدخال البعد السياسي إلى صدارة المشهد.

الزيارة أيضاً أعادت تعريف معادلة “الشرعية”. فالشرعية في السياق الإفريقي لا تُبنى فقط عبر البيانات الرسمية، بل عبر شبكة العلاقات الثنائية، والحضور في العواصم المؤثرة، والقدرة على تقديم تصور سياسي يتجاوز الاصطفاف العسكري. ومن هنا، فإن تقديم وفد يحمل أبعاداً سياسية وتنفيذية، وليس عسكرية فحسب، يعكس محاولة لتحويل صورة الفاعل الميداني إلى صورة مشروع حكم.

على المستوى الاستراتيجي، تحمل الزيارة بعداً يتجاوز السودان ذاته. فاستقرار الخرطوم يرتبط مباشرة بأمن البحر الأحمر، وتدفقات التجارة العالمية، وتوازنات القرن الإفريقي. لذلك، فإن أي حراك في كمبالا يُقرأ في نيويورك وواشنطن وأديس أبابا بقدر ما يُقرأ في الداخل السوداني.

يبقى التحدي الحقيقي في تحويل الرمزية إلى نتائج ملموسة: هدنة قابلة للاستمرار، ممرات إنسانية مؤمنة، ومسار تفاوضي لا يُقصي أحداً ولا يحتكر تمثيل الدولة. إن إعادة التموضع نحو إفريقيا ليست شعاراً، بل خياراً استراتيجياً طويل المدى، يختبر قدرة القيادة على الجمع بين الواقعية السياسية والرؤية الإقليمية.

في نهاية المطاف، قد لا تحسم كمبالا الحرب، لكنها وضعت حجر الأساس لمعركة من نوع آخر: معركة من يعيد تعريف السودان من داخل القارة، لا من خارجها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!