رأي

حين يتحوّل الجوار إلى عبء: السودان بين حق السيادة وشهية الوصاية  

عبد الرحمن ابو رندة ... بنسلفانيا

 

 عبدالرحمن أبو رندة …بنسلفانيا

الدولة التي لا تحمي قرارها، سيحرسه الآخرون بما يخدم مصالحهم لا مصلحتها.

ليست كل الحدود ضمانًا لحسن الجوار، ولا كل القرب الجغرافي دليلًا على الاحترام السياسي. فالتاريخ علّمنا أن بعض الجيران لا يطمئنون إلا حين يبقى بيتك هشًّا، وبابك مفتوحًا لرياح الوصاية. وفي حالة السودان، ظلّ الجوار الشمالي واحدًا من أكثر العوامل إثقالًا لمسار الدولة، لا بدافع العداء المعلن، بل عبر تدخل ناعم أحيانًا، وخشن في كثير من الأحيان، يهدف إلى إدارة السودان لا التعايش معه.

المشكلة لم تكن يومًا في اختلاف المصالح، فهذا أمر طبيعي بين الدول، بل في ذهنية ترى السودان امتدادًا أمنيًا لا كيانًا سياديًا مستقلًا. ذهنية تعتبر أن استقرار السودان لا يتحقق إلا إذا ظل محكومًا بمعادلة واحدة: عسكر أقوياء، ومدنيون ضعفاء، وسياسة بلا شعب. هذه المعادلة لم تُفرض بالسلاح فقط، بل صيغت عبر سنوات طويلة من التأثير السياسي، والدعم الانتقائي، وإعادة تدوير النخب الأكثر قابلية للخضوع.

حين اندلعت ثورة ديسمبر، لم تُقلق الثورة القاهرة لأنها فوضوية، بل لأنها كانت واضحة. كانت ثورة تُعيد تعريف الشرعية، وتنزعها من البندقية، وتمنحها للشارع. وهذا التحول، لو اكتمل، كان سيطرح سؤالًا مزعجًا في الإقليم كله: ماذا لو نجح المدنيون؟ ماذا لو صارت الدولة ممكنة خارج نموذج القبضة الأمنية؟

من هنا يمكن فهم الحذر، ثم العداء الصامت، ثم الانحياز المكشوف لكل ما يعرقل التحول المدني في السودان. لم يكن ذلك حبًا في الجيش السوداني بقدر ما هو خوف من سابقة سياسية. فالأنظمة التي بنت استقرارها على كبح المجتمعات لا يريحها أن ترى شعبًا قريبًا ينجح في كسر القيد.

لكن الأخطر من الدعم السياسي أو العسكري، هو الاستثمار في الانقسام. حين تُغذّى الشروخ الاجتماعية، وتُضخّم الخلافات، وتُدار الحروب إعلاميًا، يصبح الوطن ساحة صراع مفتوحة، لا تحتاج بعدها إلى تدخل مباشر. وهذه لعبة قديمة، لكنها مدمّرة، لأنها لا تترك وراءها حلفاء، بل أنقاضًا.

السودان اليوم يدفع ثمن هذه السياسات، لكنه في الوقت نفسه يراكم وعيًا جديدًا. وعيًا يدرك أن معركة الدولة ليست داخلية فقط، بل تتطلب أيضًا إعادة تعريف العلاقة مع الجوار، على أساس الندية والاحترام، لا الخوف والتبعية. لا يمكن بناء سلام حقيقي في ظل وصاية مستترة، ولا يمكن الحديث عن استقرار بينما تُدار الأزمات من خارج الإرادة الشعبية.

السودان لا يبحث عن خصومة، لكنه يرفض أن يُدار كملف أمني. يريد علاقة طبيعية: مصالح متبادلة، وحدود محترمة، وإرادة لا تُمس. أما استمرار النظر إليه كأرض قابلة للضبط، فلن ينتج إلا مزيدًا من التوتر، ومزيدًا من القطيعة المؤجلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!