رأي

مسار حميدتي السياسي وخطاب كمبالا

منال علي محمود

 

منال علي محمود

منذ بداية صعوده في المشهد السوداني، شكّل حميدتي شخصية محورية بين السلطة والشارع، بين القوة العسكرية والاقتصاد، حيث جسّد قدرة القائد العسكري على التحول إلى لاعب سياسي مؤثر بشكل مباشر على حياة المواطنين وقراراتهم. مساره الشخصي، من قوات الدعم السريع وصولاً إلى مراكز القرار، يعكس كيف يمكن لشبكة مصالح استراتيجية أن تمنح نفوذاً واسعاً في السياسة والمجتمع.

الخلفية التاريخية

منذ لقائه الثاني مع عمر البشير في 2017، حدد محمد حمدان دقلو البشير كرأس الفساد في الدولة. هذه الرؤية المبكرة لم تكن مجرد نقد شخصي، بل قراءة استراتيجية لطبيعة السلطة داخل السودان، حيث يتركز الفساد في تيار محدد يسيطر على مؤسسات الدولة وليس على الدولة نفسها.

دعم الثورة 2019

انحياز حميدتي للثورة في أبريل 2019 ساهم في سقوط البشير، لكنه لم يستهدف المؤسسة العسكرية الوطنية، محافظاً على توازن بين القوات المسلحة والشعب المدني. هذه الخطوة منحت شرعية داخلية وأكدت دوره كلاعب أساسي في أي تسوية لاحقة.

الاتفاق الإطاري

توقيعه على الاتفاق الإطاري واعتذاره العلني عن إجراءات 25 أكتوبر 2021 أمام الإعلام كان خطوة رمزية تؤكد دعمه للتحول المدني، لكنه أبقى نفوذه العسكري والسياسي، ما أعطاه القدرة على المناورة ضمن النزاع السياسي الحالي.

خطاب كمبالا 2026

تحديد الخصم السياسي ومسؤوليته الشخصية

وصف حميدتي الحركة الاسلاموية/الإخوان المسلمين بأنها حاولت استخدام قواته لقمع الثورة، وعندما رفض، قررت القضاء عليهم عبر الحرب، لكن إرادة الله كانت أعظم. اعتبر عبد الفتاح البرهان مجرد أداة في يد علي كرتي وقادة الحركة الاسلاموية. أضاف أنه مسؤول عن كل كلمة خرجت منه، ما يعكس التزامه الشخصي والمصداقية في رسالته. منحته هذه المصداقية السماح بمخاطبة السودانيين على الأراضي الأوغندية، وهو ما لا يتم دون اقتناع حقيقي بما قدمه من موقف ورسائل. الرسالة واضحة. الصراع ليس ضد الجيش ككل، بل ضد التيار الاسلاموي المسيطر على مؤسسات الدولة.

العملية السياسية

أكد أن الاسلامويين والبرهان رفضوا الاتفاق الإطاري بشأن قوات الدعم السريع، والآن مضطرون لقبول عملية “الرباعي” لتشكيل جيش جديد. يظهر حرصه على ضبط مسار التحول الديمقراطي واستعادة النفوذ السياسي.

الديناميات الإقليمية والدولية

أشار إلى أن بعض الدول تعرف من بدأ الحرب، ومع ذلك تدعم الاسلامويين تحت ذرائع معارضة الحركة. الرسالة. كشف التناقض الدولي ورفض التدخلات التي تحمي التيار الاسلاموي على حساب السودان.

العودة إلى الخرطوم والمناطق الأخرى

أكد نية العودة إلى الخرطوم، الرياض، جبل أولياء، وشرق النيل دون نهب، احتراماً للشهداء، وتحريراً للشعب من ما وصفه بـ”السرطان”. يعكس هذا الالتزام بالقيم الأخلاقية والشرعية العسكرية، وفصل الحرب عن التدمير العشوائي.

الهوية والرمزية

أعلن تحولاً نحو هوية سودانية وأفريقية أوسع، مؤكداً أن التصنيفات السابقة لن تحددهم بعد الآن. أشار إلى أن تطبيق الاسلامويين للشريعة ساهم في انفصال جنوب السودان، وأن العلمانية والفيدرالية هي الطريق الوحيد للتعايش السلمي وحفظ وحدة السودان. هنا تأتي رمزية اللباس الأفريقي، كتأكيد على الانتماء القاري والاستقلال عن التيارات الإيديولوجية والمصالح الاقتصادية للنظام السابق.

التعليم وقضايا اللاجئين

وعد بحل تحديات التعليم، مشيراً إلى التزامات دولية بمنح دراسية للطلاب السودانيين داخل وخارج السودان. ناقش تحديات اللاجئين السودانيين في أوغندا مع الحكومة هناك، مع أمل بحل قضايا الإقامة والتعليم قريباً.

اتفاقية جوبا ودور الإمارات

أكد أن اتفاق جوبا لم يكن ممكناً بدون دعم الإمارات، التي مولت المشاريع التنموية في دارفور، والتي توقفت لاحقاً بسبب مصالح شخصية لمنّي منّاوي. يوضح فهمه لأهمية التمويل الخارجي والتسويات الإقليمية في إنجاح أي اتفاق سياسي.

موقفه من الاسلامويين

شدد على أنه لن يسمح ببقاء الحركة الاسلاموية/الإخوان المسلمين أو الحزب الوطني المنحل، مؤيداً موقف الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بعدم وجود مكان لهم في السودان.

القوة الاقتصادية

أشار إلى أن إنتاج الذهب يكفي للخروج من أي أزمة سياسية أو اقتصادية، في مقابل إنكار البشير لوجود الذهب، الذي شكّل أساساً لتحديده كرأس الفساد. الذهب هنا ليس مجرد مورد، بل أداة استراتيجية للنفوذ والضغط السياسي.

الإعلام والحرب النفسية وتأثير التضليل

معظم تصريحات الحرب تعتمد على الأكاذيب أكثر من الحقائق، مثل كذبة “حميدتي مات ودفناه بأيدينا” وعدم نشر التقدم حتى الوصول لاتفاق بين الطرفين في منبر جدة. هذا التضليل لا يؤثر فقط على فهم الوضع، بل يجعل السودانيين يتخذون قرارات ومواقف مضللة، خاصة فيما يتعلق بعدم إعلان اتفاق الأطراف على السلام في منبر جدة. وذكرت تغطيات صحفية دولية أن زيارة كمبالا تمثل أول تحرك دبلوماسي له منذ أشهر، وأن الحوار والحل السياسي هما السبيل الوحيد لتحقيق الاستقرار في السودان والمنطقة، ما يعطي بعداً دبلوماسياً للزيارة وليس مجرد خطاب داخلي. هذا يعكس كيف ينظر العالم الخارجي للأحداث ويؤكد أن الاهتمام الدولي يراقب مسار السودان السياسي عن كثب.

قراءة التغطية الإعلامية الأجنبية ورمزيتها

التغطية الإعلامية الأجنبية تشير إلى أن زيارة حميدتي لكمبالا لم تكن مجرد خطاب داخلي، بل خطوة ذات بعد سياسي ودبلوماسي واضح، مع استقبال الرئيس الأوغندي. الإعلام الخارجي ركز على مشاركة تحالف «تأسيس» وانتقادات من داخل السودان، لكنه أبرز اللقاء كتحرك سياسي مهم، ما يرمز إلى وجود بعد مزدوج للصراع. داخلي مع الجيش والشعب، وخارجي مع القوى الإقليمية والدولية.

كما أشارت تقارير مثل Sudan Tribune إلى أن الإعلام السوداني أصبح منذ النزاع غير موضوعي، ما يجعل فهم الرسائل السياسية أصعب. هذا يعكس أن المعلومات أصبحت أداة حرب بحد ذاتها، تؤثر على القرارات والتقديرات السياسية للسودانيين. من منظور استراتيجي، التغطية الأجنبية ترمز إلى قدرة حميدتي على المناورة السياسية داخلياً وخارجياً، ومحاولة الضغط على الأطراف المختلفة لإظهار موقف أكثر مرونة أو وضوحاً، بينما يُظهر نفسه كلاعب استراتيجي على الساحة الدولية.

الاستعانة بالقوات الأجنبية وعدم إمكانية الحسم العسكري

كل الأطراف استعانت بقوى خارجية، مما جعل الحرب معقدة ومتعددة الأبعاد، وغير قابلة للحسم العسكري. تركيز حميدتي ينصب على الاستراتيجية السياسية، التحالفات، والتموضع داخل النزاع أكثر من الاعتماد على القوة وحدها.

التحليل من منظور سوداني

كسوداني يسعى للاستقرار والتنمية والعدالة، يظهر أن خطاب حميدتي يحاول تحديد الخصوم الحقيقيين وحماية الجيش الوطني والشعب من الانقسامات، لكنه يكشف أيضاً عن التهديد الذي تشكله الحركة الاسلاموية على وحدة السودان. إذا لم تتم محاسبتهم سياسياً، فإن خطرهم على البلاد كبير، وقد يؤدي لمحاولات تقسيم البلاد أو تعزيز نفوذهم على حساب الاستقرار. يؤكد الخطاب الحاجة لسيطرة الدولة على الموارد، وتعزيز الحلول السياسية والاقتصادية بعيداً عن النزاعات العسكرية والإيديولوجية، لضمان أن يستفيد المواطن السوداني من الثروات بشكل عادل.

حكم الأقلية

الحركة الاسلاموية تمثل أقلية سياسية ضئيلة مقارنة بالشعب السوداني ككل، وأي سيطرة سياسية أو اقتصادية تحاول فرضها ليست تعبيراً عن إرادة الأغلبية، بل أداة لفرض مصالح الأقلية على الأكثرية. هذا يفسر جزء كبير من الأزمات السياسية والاجتماعية في السودان. الأقلية تستخدم السلطة الإدارية والقوة العسكرية للهيمنة على الأغلبية، مما يخلق صراعاً مستمراً على السلطة والموارد.

الخلاصة

تحديد الخصم الحقيقي. التيار الاسلاموي، مع إبقاء الجيش الوطني بعيداً عن الاستهداف.

السيطرة على الجيش والسياسات الداخلية. التركيز على التمركز السياسي والتفاوضي.

القوة الاقتصادية. الذهب كأداة نفوذ واستقلالية سياسية.

الرسائل المباشرة. تحذير للبرهان، توضيح للجيش، شرعية للشعب والجالية، كشف التناقض الدولي.

الهوية والرمزية. اللباس الأفريقي، الهوية السودانية-الأفريقية، انفصال عن التيارات الإيديولوجية السابقة.

البعد التنموي والإنساني. التعليم وحل قضايا اللاجئين ضمن استراتيجيته الشاملة.

الإعلام وتأثير التضليل. الأكاذيب تجعل قرارات ومواقف السودانيين مضللة.

استحالة الحسم العسكري. الصراع متعدد الأطراف، معقد، ويحتاج للحلول السياسية أكثر من العسكرية.

المسؤولية الشخصية. حميدتي يتحمل كل كلمة خرجت منه، ما يعزز مصداقية خطاباته وشرعيته في مخاطبة الجالية السودانية.

تقييم صادق

المقال شامل وموثق، ويعطي رؤية واضحة لمسار حميدتي وتأثير خطاب كمبالا على الداخل والخارج. التحليل منطقي وموضوعي، لكنه يميل إلى التركيز على خطاب حميدتي أكثر من نقد السياسات أو تسليط الضوء على نقاط ضعف الحركة الاسلاموية بشكل موسع. بعض التفاصيل التاريخية والتحليلات الاقتصادية والسياسية يمكن أن تُدعّم بأمثلة إضافية من مصادر مستقلة لزيادة العمق النقدي. بشكل عام، المقال قوي ويعكس فهم واضح للعبة السياسية والإعلامية في السودان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!