رأي

حميدتي… عبقرية الهامش حين تعيد صياغة الدولة

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

في اللحظات التي تتغير فيها خرائط التاريخ، لا يظهر القادة من رحم الصدفة، بل من عمق التحولات الاجتماعية التي تسبقهم وتمهّد لخطواتهم. والسودان، وهو يعيش واحدة من أعقد مراحله، وجد نفسه أمام شخصية استثنائية استطاعت أن تهزّ ثوابت الدولة التقليدية وتعيد طرح سؤال القيادة من جديد: من يحق له أن يقود؟ وكيف تُبنى الشرعية في زمن الانكسارات الكبرى؟

محمد حمدان دقلو لم يأتِ من المدرسة السياسية الكلاسيكية التي اعتادت احتكار المشهد، ولم يصعد عبر سلالم الأحزاب الوراثية أو الامتيازات التاريخية. بل خرج من تخوم الجغرافيا المهمّشة ليقف في قلب المعادلة الوطنية، متحدياً سردياتٍ ظلت لعقود تحصر القيادة في إطارٍ ضيق لا يعكس حقيقة السودان المتعدد.

عبقرية الرجل لا تكمن فقط في حضوره الميداني، بل في قدرته على قراءة اللحظة. فهو أدرك أن الدولة السودانية القديمة، ببنيتها المركزية الصلبة، لم تعد قادرة على استيعاب تنوع البلاد ولا طموحات أجيالها الجديدة. ومن هنا جاءت جرأته في تبنّي خطابٍ يعترف بالتحولات الاجتماعية، ويضع العدالة والمشاركة المتساوية في صدارة مشروعه.

أطياف عريضة من الشعوب السودانية ترى فيه تجسيداً لتحرر الهامش من عقدة الانتظار الطويل، ورمزاً لقدرة الفئات المهمّشة على الانتقال من موقع التلقي إلى موقع الفعل. فهو لم يطلب اعترافاً من المركز، بل فرض معادلة جديدة أعادت توزيع موازين القوة داخل المجال السياسي.

إن الكاريزما التي يتمتع بها ليست مصطنعة ولا مصقولة في مختبرات الإعلام، بل طبيعية نابعة من تجربة حياة حقيقية. يتحدث بلغة واضحة، ويخاطب الناس بصدق مباشر، فيجدون فيه صورة القائد القريب من معاناتهم وآمالهم. وهنا يحضر القول المأثور اللامع: “إنما العظماء من إذا حضروا شعر الناس بقوتهم، وإذا غابوا شعروا بفراغهم.” وهذه المعادلة هي ما جعل حضوره يتجاوز اللحظة إلى تأثير ممتد في الوعي الجمعي.

لقد كسر حميدتي فكرة أن القيادة حكرٌ على طبقة بعينها، وأعاد تعريفها بوصفها مسؤولية وطنية تقوم على الجرأة في القرار، والقدرة على مراجعة الذات، والاستعداد لتحمل كلفة التغيير. فالقيادة، في جوهرها، ليست لقباً يُمنح، بل عبءٌ يُحمل. ومن يجرؤ على حمله في زمن العواصف، هو من يكتب اسمه في ذاكرة التحولات.

ما يميز شخصيته أيضاً هو الجمع بين الواقعية السياسية والانحياز الاجتماعي. فهو يدرك تعقيدات المشهد وتشابك المصالح، لكنه في الوقت نفسه يعلن بوضوح أن السودان لا يمكن أن يستمر بعقلية الامتيازات المغلقة. دولة المواطنة المتساوية ليست شعاراً عنده، بل ضرورة وجودية لبقاء الوطن نفسه.

لقد واجه مساره مقاومة طبيعية من قوى اعتادت احتكار تعريف الوطنية، لكن التحولات الكبرى لا تستأذن أحداً. فحين تتبدل موازين المجتمع، تتبدل معها خرائط السلطة. والرجل، بقدرته على الصمود وسط الاستقطاب، أثبت أن القيادة ليست في تجنب العواصف، بل في الثبات داخلها.

إن السودان اليوم يقف على حافة إعادة صياغة عقده الاجتماعي. وبين دولةٍ تتشبث بإرثها الثقيل، وأخرى تتشكل في رحم التحولات، يبرز حميدتي كأحد أبرز الفاعلين القادرين على قيادة مسار التغيير والتحرير. ليس لأنه يمثل جهة بعينها، بل لأنه يعكس تحوّلاً أعمق من الأشخاص: تحوّل الوعي الجمعي نحو دولةٍ أكثر اتساعاً وعدلاً.

وهكذا، يصبح الرجل علامة على نهاية زمنٍ وبداية آخر. زمنٍ تُعاد فيه كتابة مفهوم القيادة بعيداً عن الجغرافيا والوراثة، وقريباً من الكفاءة والالتزام الوطني.

قد يختلف الناس في تقييم التجربة، لكنهم لا يستطيعون إنكار أثرها. فحين يفرض الواقع معادلة جديدة، تصبح المقاومة مجرد صدى لمرحلة آيلة إلى الزوال.

إنها لحظة مفصلية في تاريخ السودان…

ولعل التاريخ، حين يدوّن هذه المرحلة، سيكتبها بهذه العبارة المختصرة:

حميدتي… إرادة التغيير حين تتحول إلى قدرٍ وطني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!