رأي

حين يسقط الوهم بالضربة القاضية

سلوى سيدأحمد محمد صالح

 

سلوى سيدأحمد محمد صالح

ظهر حميدتي أمس الجمعة في العاصمة اليوغندية كمبالا. تحدث لأكثر من ساعة أمام حشد من مؤيديه، وكان ظهوره مباشراً وواضحاً أمام الكاميرات. لم يكن تسجيلاً قديماً ولا صوتاً من خلف ستار، بل حضوراً كاملاً أنهى أي مجال للشك.

لم يكن الظهور حدثاً بروتوكولياً. كان إعلاناً عملياً لنهاية شائعة جرى ترويجها بإصرار لثلاث سنوات. شائعة موته التي تحولت عند بعضهم إلى يقين سياسي سقطت دفعة واحدة، وتحولت من أداة تضليل إلى فضيحة مهنية وأخلاقية.

في سياق خطابه المطول، أقر حميدتي باستجلاب مرتزقة من كولومبيا لتشغيل الطائرات المسيرة. لم يرد الاعتراف عرضاً ولا على سبيل الخطأ، بل قُدم كمعلومة عادية ضمن الحديث. هذا الإقرار يفتح أسئلة مباشرة حول السيادة، وطبيعة إدارة الحرب، ومن يتحمل كلفة هذه الترتيبات من دماء السودانيين ومواردهم.

الأثر الأوضح لهذا الظهور لم يكن في مضمون الخطاب وحده، بل في الضربة التي تلقاها إعلام النظام البائد. هذا الإعلام بنى روايته طوال ثلاث سنوات على إيهام الشارع بأن الرجل قد مات، ونسج حول ذلك خطاب تعبئة وتحليلات مطولة. اليوم سقطت الرواية أمام حقيقة واحدة لا تقبل الجدل، حميدتي حي يرزق.

الشائعة لم تكن عابرة. أطلقها أنصار النظام البائد وروّجوا لها بإصرار. وقُدمت كحقيقة ثابتة. بُنيت عليها تمنيات وخطابات وتحليلات. وسقطت كلها أمام مشهد واحد.

الأكثر دلالة كان رد فعل صحفيي النظام السابق. انصرفوا إلى تحليل خطاب حميدتي كلمة كلمة. وتوقفوا عند نبرته وحركاته ورسائله. كتبوا مطولاً كما لو أنهم أمام حدث منفصل، وتجاهلوا تماماً الكذبة التي خدعوا بها الناس لسنوات.

لم يتطرقوا إلى مسألة حياته أو موته. لم يقدّم أحد اعتذاراً. لم يعترف أحد بخطأ أو تضليل. تصرفوا كأن الكذبة لم تكن، وكأن ثلاث سنوات من الوهم لا تستحق حتى توضيحاً.

هنا تظهر المشكلة الحقيقية. ليست في شائعة أُطلقت ثم سقطت، بل في عقلية تروّج وتضلل ثم تصمت عند انكشاف الحقيقة. هذه معركة وعي قبل أن تكون معركة سلاح، ومعركة الصدق فيها لم تُحسم بعد.

سلوى سيدأحمد محمد صالح

حلفا الجديدة

٤ رمضان ١٤٤٧هـ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!