
هويدا سنادة
في لحظات التحولات الكبرى، لا تُقاس السياسة بعدد البيانات ولا بحجم الخطاب، بل بقدرة الفاعلين على إعادة تعريف مواقعهم داخل الإقليم وخارجه. من هذا المنظور يمكن قراءة زيارة رئيس تحالف تأسيس محمد حمدان دقلو ونائبه القائد عبد العزيز الحلو إلى دولة يوغندا، ولقائهما بالرئيس يوري موسيفيني، باعتبارها خطوة تتجاوز حدود “إثبات الحضور” إلى عمق الصراع على الشرعية وإعادة تشكيل ميزان الاعتراف السياسي في المنطقة.
فالشرعية، في العلوم السياسية، ليست صفة جامدة تُمنح مرة واحدة، بل عملية تراكمية تُبنى عبر الاعتراف المتبادل والتعامل الرسمي. وعندما تستقبل دولة ذات ثقل إقليمي، مثل يوغندا، قيادة سياسية سودانية ببروتوكولات رسمية، فإن الرسالة لا تكون رمزية فحسب، بل عملية: هناك عنوان يُعاد تقديمه باعتباره ممثلاً ممكناً للدولة، وشريكاً قابلاً للتعامل في الملفات الأمنية والاقتصادية والإنسانية.
بهذا المعنى، يمكن فهم الزيارة كجزء من معركة انتزاع الاعتراف وتكريس الشرعية الدولية. فكل لقاء رسمي، وكل صورة بروتوكولية، وكل بيان مشترك، يشكّل لبنة في بناء سردية سياسية تقول إن تمثيل السودان لم يعد حكراً على سلطة الأمر الواقع في بورتسودان. إنها محاولة لتحويل الاعتراف من حالة ضمنية إلى واقع متدرج يفرض نفسه عبر الوقائع.
لكن الأبعاد لا تتوقف عند مستوى الرمزية. فالتحرك نحو كمبالا يضرب في صميم المرتكزات الجيوسياسية لسلطة الأمر الواقع، التي تعتمد في بقائها على هوامش إقليمية ودعم عابر للحدود. عندما تنجح قوة سياسية منافسة في فتح قنوات مباشرة مع عواصم ذات تأثير في شرق إفريقيا، فإنها لا تنافس خصمها داخلياً فقط، بل تعمل على تضييق المجال الحيوي الذي يتحرك فيه إقليمياً.
ومن هنا تبدو الزيارة كأداة ضغط مزدوجة: أولاً، عبر إقناع قوى إقليمية بالتخلي عن أي دعم سري أو علني للسلطة القائمة، أو على الأقل إعادة حساباتها تجاهها. وثانياً، عبر تفكيك التحالفات العابرة للحدود التي تشكّل رافعة لبقاء تلك السلطة. فحين يتحول التعامل مع حكومة الأمر الواقع إلى عبء سياسي على الجوار، تتآكل قدرتها على المناورة، ويضعف موقعها التفاوضي.
أما في ما يتعلق بسؤال الهوية، فإن الزيارة تتجاوز هذا البعد بشكل جذري. إذا كانت سلطة الأمر الواقع تستخدم خطاب الهوية للحشد الداخلي وتثبيت قواعدها الاجتماعية، فإن التحرك الخارجي يضرب “الوظيفية” التي تستند إليها في تبرير وجودها: القدرة على الإدارة، التمثيل، وإبرام الاتفاقيات. فمجرد الدخول في نقاشات أمنية أو اقتصادية مع دولة ذات ثقل استراتيجي يكشف عن بديل قادر أو يسعى لأن يكون قادراً على إدارة علاقات الدولة خارجياً.
هذا التحول ينعكس داخلياً. فالقوى السياسية والمجتمعية التي تراقب المشهد لا تقيس الشرعية فقط بالسيطرة الميدانية، بل أيضاً بمدى القدرة على تمثيل مصالح البلاد في الخارج. وإذا ما بدا أن سلطة بورتسودان عاجزة عن ذلك، فإن مبرر وجودها يتآكل تدريجياً أمام قواعدها وأمام القوى المترددة.
إضافة إلى ذلك، فإن الضغط الدبلوماسي يمكن أن يفضي إلى نتائج عملية: تجميد قنوات اتصال، إعادة تقييم تعاون اقتصادي، أو حتى تضييق مسارات تمويل ودعم. وهي كلها أدوات “حرب ناعمة” لا تُستخدم فيها البنادق، لكنها قد تكون أشد أثراً على المدى المتوسط.
بهذا المعنى، لا تبدو زيارة كمبالا رحلة بروتوكولية عابرة، بل مناورة استراتيجية لتطويق الخصم وإعادة تعريف موقعه. إنها محاولة لتحويل سلطة الأمر الواقع من كيان يسعى إلى تثبيت نفسه كدولة، إلى طرف معزول قانونياً وسياسياً، في مقابل بناء سردية بديلة تقدّم تحالف تأسيس كفاعل سياسي إقليمي معترف به.
وفي النهاية، فإن معركة السودان اليوم ليست فقط معركة ميدان، بل معركة اعتراف. ومن ينجح في حسم معركة الشرعية خارج الحدود، يقترب خطوة إضافية من إعادة تشكيل الداخل. كمبالا، في هذا السياق، لم تكن مجرد محطة دبلوماسية، بل ساحة جديدة من ساحات الصراع على الدولة نفسها.




