رأي

الفاشر ليست منصة لتصفية الحسابات

ابو عبد الله الراشدي

 

 أبو عبدالله الراشدي

إذا تضاربت الروايات، فابحث عمّن يخشى التحقيق

في أعقاب التصريحات الأخيرة التي أدلى بها مني أركو مناوي حول ما جرى في الفاشر، بدا واضحًا أن الخطاب السياسي ما زال أسيرًا لأسلوب المبالغة وإلقاء التهم في اتجاه واحد، وكأن المشهد المعقّد يمكن اختزاله في سردية جاهزة تُعفي الذات وتُدين الآخر بالكامل.

مناوي قدّم روايته باعتبارها الحقيقة المطلقة، متحدثًا عن “إبادة” و”تغيير معالم المدينة” و”مؤامرات خارجية”، في خطاب عاطفي مشحون، لكنه خالٍ من الأدلة التفصيلية القابلة للتحقق عبر آليات مستقلة. هذا النوع من الخطاب لا يقرّبنا من الحقيقة، بل يُعيد إنتاج الانقسام ويغذي الاستقطاب.

الفاشر لم تكن مدينة مدنية منزّهة عن الصراع. لسنوات، كانت جزءًا من بيئة أمنية معقدة، شهدت انتشارًا لقوى مسلحة متعددة، وتداخلًا عسكريًا داخل أحياء سكنية مكتظة. تجاهل هذا الواقع، وتقديم صورة مبسطة للصراع، يُعدّ انتقائية سياسية لا تخدم الضحايا ولا تخدم العدالة.

إن تحميل طرف واحد كامل المسؤولية، دون أي مراجعة لدور بقية الفاعلين في عسكرة المدينة، يطرح سؤالًا جوهريًا: لماذا يُراد للرواية أن تكون أحادية؟ ولماذا يُستبعد الحديث عن مسؤولية كل من اختار تحويل المدينة إلى ساحة مواجهة مفتوحة؟

المدنيون في الفاشر لم يكونوا بحاجة إلى بيانات سياسية متبادلة، بل إلى حماية حقيقية. وحين تتحول الأحياء إلى نقاط تمركز، وتصبح المؤسسات المدنية ضمن خارطة الاشتباك، فإن الكلفة الإنسانية تكون حتمية، بصرف النظر عن الجهة التي تتبنى السردية الأعلى صوتًا.

الحديث عن “تغيير ديمغرافي” و”مقاتلين أجانب” و”إبادة ممنهجة” يستوجب تحقيقًا دوليًا شفافًا، لا خطابات جماهيرية. فالمآسي لا تُثبت عبر المنابر، بل عبر الأدلة، والاتهامات الكبيرة تحتاج إلى براهين أكبر.

السودان اليوم في حاجة إلى خطاب مسؤول، لا إلى إعادة تدوير المظلومية السياسية. في حاجة إلى شجاعة الاعتراف بأن عسكرة المدن كانت خيارًا مكلفًا على الجميع. وفي حاجة إلى مراجعة شاملة تتناول كل من حمل السلاح داخل النطاق المدني، بدل الاكتفاء برفع الأصابع في اتجاه واحد.

التاريخ لا يكتب بالتصريحات، بل بالوقائع. وكل رواية لا تتحمل المساءلة، مصيرها أن تتآكل مع الزمن. أما الفاشر، فهي أكبر من أن تُختزل في خطاب سياسي، وأعمق جرحًا من أن تُستخدم ورقةً في معركة تصريحات خاوية .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!