تقارير وتحقيقات

عقوبات تحت المجهر: هل يقود إدراج عبد الرحيم دقلو إلى السلام أم يعمّق أزمة الشرعية الدولية في السودان؟

تقرير : التنوير

 

التنوير: تقرير

النشرات الخاصة… الإطار القانوني بين النص والتأويل

أثار إدراج عبد الرحيم حمدان دقلو ضمن “النشرات الخاصة” المرتبطة بقرارات مجلس الأمن الدولي موجة واسعة من الجدل السياسي والقانوني داخل السودان وخارجه. فهذه النشرات، التي تصدر بالتنسيق بين منظمة الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول) ولجان الجزاءات التابعة للأمم المتحدة، تُعد آلية تنفيذية لمتابعة الأفراد المشمولين بعقوبات دولية، وتشمل تدابير مثل تجميد الأصول، حظر السفر، ومنع توريد السلاح أو تقديم الدعم العسكري.

من الناحية الشكلية، يستند الإدراج إلى قرار صادر عن لجنة جزاءات أممية، ما يمنحه غطاءً قانونيًا في إطار منظومة مجلس الأمن. غير أن الإشكال لا يتوقف عند قانونية الإجراء، بل يمتد إلى سياق تطبيقه، وتوقيته، وانعكاساته على مسار الصراع السوداني. فالعقوبات الدولية، تاريخيًا، لم تكن مجرد أدوات قانونية محايدة، بل غالبًا ما ارتبطت بحسابات سياسية أوسع، وبموازين قوى إقليمية ودولية.

في الحالة السودانية، يأتي القرار في ظل حرب مفتوحة، واستقطاب حاد، وانقسام داخلي حول جذور الأزمة ومسؤولياتها. لذلك فإن أي خطوة عقابية تُقرأ، داخل السودان، ليس فقط من زاوية القانون الدولي، بل من زاوية ميزان السرديات المتصارعة حول “من أشعل الحرب؟” و”من يتحمل مسؤولية استمرارها؟”.

 جذور الحرب… روايتان متصادمتان

منذ اندلاع القتال في أبريل 2023، تبلورت روايتان رئيسيتان حول أسباب الحرب. الرواية الأولى ترى أن الصراع كان نتيجة مباشرة لخلافات حول دمج القوات وإعادة هيكلة المنظومة العسكرية، وأنه انفجر بسبب صراع على السلطة والنفوذ داخل الدولة. أما الرواية الثانية، التي يتبناها مؤيدو قوات الدعم السريع، فتؤكد أن الحرب لم تكن خيارًا طوعيًا، بل نتيجة تحرك استباقي من قوى داخل المؤسسة العسكرية مدفوعة باعتبارات أيديولوجية وسياسية، بهدف إنهاء وجود الدعم السريع كقوة مستقلة.

في هذا السياق، يُطرح اسم “الحركة الإسلامية” أو التيار المرتبط بها بوصفه فاعلًا أساسيًا في تأجيج الصراع، وفق خطاب أنصار الدعم السريع. ويُقال إن هذه القوى رأت في ترتيبات الانتقال السياسي، وفي موازين القوة الجديدة بعد سقوط نظام عمر البشير، تهديدًا مباشرًا لنفوذها التاريخي، فسعت إلى إعادة تشكيل المشهد بالقوة.

على الضفة الأخرى، تُتهم قوات الدعم السريع بالسعي إلى توسيع نفوذها السياسي والعسكري خارج إطار الدولة، وبتحمل مسؤولية مباشرة عن انتهاكات جسيمة خلال الحرب. وبين الروايتين، يقف المجتمع الدولي أمام معضلة: كيف يمكن تحديد المسؤولية في نزاع تتداخل فيه العوامل العسكرية والسياسية والإقليمية؟

إدراج عبد الرحيم دقلو يُفهم على أنه تبنٍ ضمني لإحدى الروايتين، أو على الأقل تغليب قراءة محددة لطبيعة الصراع.

 اتفاق المنامة… فرصة ضاعت أم ورقة سياسية؟

من بين النقاط التي يثيرها منتقدو العقوبات مسألة “اتفاق المنامة”، الذي وُقّع في مرحلة سابقة باعتباره خطوة نحو وقف إطلاق النار وتهيئة الأرضية لتسوية سياسية. ويشير أنصار الدعم السريع إلى أن عبد الرحيم دقلو أبدى استعدادًا للانخراط في هذا المسار، ووقع على تفاهمات كان يُنظر إليها كمدخل لإنهاء الحرب.

غير أن الاتفاق لم يرَ النور في صورته النهائية، وتعثر وسط خلافات حول الضمانات وآليات التنفيذ، إضافة إلى تشكيك أطراف أخرى في جدواه أو في نوايا الموقعين عليه. هنا ينقسم التقييم: فالبعض يرى أن الاتفاق كان مناورة تكتيكية لكسب الوقت، بينما يعتبره آخرون فرصة حقيقية أُجهضت بفعل حسابات داخل المؤسسة العسكرية والتيارات الداعمة لها.

إدراج شخصية تقول إنها سعت إلى مسار تفاوضي يطرح سؤالًا إضافيًا: هل تعاقب العقوبات من يختار التفاوض؟ أم أنها رسالة بأن أي مسار سلام يجب أن يمر عبر شروط محددة يضعها المجتمع الدولي

الجواب ليس بسيطًا، لأن سجل الحرب مليء باتهامات متبادلة، ولأن مسارات التفاوض السابقة من جدة إلى المنامة  لم تنجح في تثبيت وقف دائم للقتال.

 ازدواجية المعايير… الاتهام الأكثر تكرارًا

أكثر الانتقادات حضورًا يتمثل في اتهام المجتمع الدولي بازدواجية المعايير. فمنتقدو القرار يقولون إن العقوبات لم تشمل  بالقدر ذاته  شخصيات يرون أنها لعبت دورًا مباشرًا في إشعال الحرب أو تعطيل جهود التسوية. ويستند هذا الطرح إلى تجارب سابقة في أزمات دولية أخرى، حيث طُبقت العقوبات بصورة انتقائية، ما أضعف مصداقية المنظومة الأممية في أعين قطاعات واسعة من الشعوب.

في السودان، حيث تتسم البيئة السياسية بحساسية عالية تجاه التدخلات الخارجية، تُقرأ أي خطوة دولية من زاوية السيادة والعدالة المتوازنة. وإذا شعر طرف ما بأنه مستهدف وحده، فقد يتجه إلى مزيد من التشدد بدل الانخراط في تسوية.

في المقابل، تدافع جهات دولية عن قراراتها بالقول إنها تستند إلى تقارير وتحقيقات ومعايير قانونية واضحة، وأن العقوبات لا تُفرض بناءً على الانطباعات أو المواقف السياسية، بل على أدلة تتعلق بتهديد السلم والأمن الدوليين أو بارتكاب انتهاكات جسيمة

لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في النصوص القانونية، بل في الإقناع السياسي: كيف يمكن إقناع السودانيين بأن العدالة الدولية تُطبَّق بمعيار واحد على الجميع؟

 العقوبات والسلام… أداة ضغط أم وقود إضافي للصراع؟

السؤال المركزي الذي يطرح نفسه اليوم هو: هل ستُسهم هذه العقوبات في تقريب المسافة نحو السلام، أم أنها ستزيد من تعقيد المشهد.

من الناحية النظرية، تُستخدم العقوبات كأداة ضغط لدفع الأطراف إلى تغيير سلوكها، أو للجلوس إلى طاولة المفاوضات بشروط أكثر اعتدالًا. غير أن التجارب الدولية تُظهر أن العقوبات، في سياق الحروب الداخلية، قد تؤدي أحيانًا إلى نتيجة عكسية، إذ تعزز سردية “الاستهداف الخارجي”، وتمنح القادة المعاقَبين فرصة لحشد الأنصار تحت شعار مواجهة الضغوط الدولية.

في الحالة السودانية، حيث تتشابك الاعتبارات القبلية والإقليمية والسياسية، قد يؤدي أي شعور بالاستهداف إلى إعادة تموضع داخلي بدل الانفتاح على التسوية. كما أن استمرار الحرب، مع وجود عقوبات، قد يُغلق قنوات التواصل غير الرسمية التي تُعد أحيانًا المدخل الحقيقي للحلول.

من جهة أخرى، قد يرى المجتمع الدولي أن عدم اتخاذ خطوات عقابية سيُفهم على أنه تهاون مع الانتهاكات، ما يضر بسمعة النظام الدولي ويضعف رسالته الرادعة.

 بين العدالة والواقعية السياسية

يبقى إدراج عبد الرحيم دقلو في النشرات الخاصة اختبارًا مزدوجًا: اختبارًا لفعالية العقوبات كأداة لتحقيق السلام، واختبارًا لمصداقية النظام الدولي في تطبيق معاييره بصورة متوازنة.

السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى قرارات دولية، بل إلى مقاربة شاملة تعترف بتعقيد جذور الحرب، وتتعامل مع كل الأطراف بمعيار واحد، وتربط بين المساءلة والفرص الحقيقية للتسوية السياسية.

فإذا كانت العقوبات خطوة نحو السلام، فيجب أن تُستكمل بمسار تفاوضي واضح، وضمانات متوازنة، ورؤية لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة. أما إذا تحولت إلى أداة تُستخدم في صراع السرديات، فقد تُضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى أزمة لم تعد تحتمل مزيدًا من الانقسامات.

    في نهاية المطاف، لن تُحسم معركة الشرعية بقرار إدراج أو رفع اسم من قائمة، بل بقدرة السودانيين  بدعم دولي عادل ومتوازن  على إنهاء الحرب وبناء عقد سياسي جديد يُنهي دوامة العنف ويضع البلاد على طريق الاستقرار الدائم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!