رأي

ضربة طهران وتحولات الشرق الأوسط… بين مكافحة الإرهاب وإعادة تشكيل التوازنات

عابدة مختار

 

عابدة مختار 

ظلّ الإرهاب، على مدى عقود، أحد أخطر التحديات التي واجهت المجتمع الدولي، ليس فقط لما يخلّفه من ضحايا ودمار، بل لما يزرعه من خوف وعدم استقرار يقوّض أسس الدولة الحديثة. فالتفجيرات، والأحزمة الناسفة، والهجمات التي تستهدف المدنيين، كلها جعلت من كلمة “الإرهاب” مرادفاً للرعب والفوضى في الوعي الجمعي العالمي. وقد ازدادت خطورته حين اتخذ بعض المنتمين إليه من الدين ستاراً، يبررون به أفعالاً يرفضها جوهر الأديان نفسها، التي حرّمت قتل النفس بغير حق وجعلت للإنسان كرامة مصونة.

أمام هذا الواقع، لم يكن مستغرباً أن تسعى دول عديدة إلى بناء منظومات تعاون أمني واستخباراتي لمواجهة هذه الظاهرة، وأن تطور آليات عسكرية وسياسية لاحتوائها. فمكافحة الإرهاب لم تعد شأناً داخلياً لدولة بعينها، بل تحولت إلى قضية دولية تتداخل فيها المصالح والاستراتيجيات والتحالفات.

في هذا السياق، برزت اتهامات متكررة لدول إقليمية بدعم جماعات مسلحة أو توفير غطاء سياسي ولوجستي لها، وهو ما جعل بعض العواصم محط أنظار المجتمع الدولي. وتُعد إيران، بحكم موقعها الجغرافي وتأثيرها السياسي في الإقليم، أحد الأطراف التي وُجهت إليها انتقادات واسعة تتعلق بدعم قوى مسلحة في أكثر من ساحة. ويرى منتقدوها أن هذا الدور أسهم في تعقيد الأزمات الإقليمية، وأعاد إنتاج صراعات كان يمكن احتواؤها عبر حلول سياسية.

أما في السودان، فقد ظل الجدل محتدماً حول طبيعة الدعم الخارجي لبعض القوى ذات الخلفيات الأيديولوجية، وحول تأثير ذلك على مسار النزاع الداخلي. ويتهم خصوم التيارات الإسلامية بعض الأطراف الإقليمية بتقديم دعم عسكري وتقني مكّن هذه القوى من مواصلة القتال، بما في ذلك استخدام طائرات مسيّرة وأسلحة ثقيلة أثّرت بصورة مباشرة على المدنيين والبنية التحتية. وفي ظل هذه الاتهامات، تصاعدت الدعوات إلى تجفيف منابع الدعم الخارجي كخطوة أساسية نحو إنهاء العنف.

الضربة التي وُصفت بأنها استهدفت طهران، وجاءت في سياق تصعيد إقليمي واسع، اعتبرها مؤيدوها تحولاً استراتيجياً من شأنه إعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط. فالبعض يرى فيها رسالة واضحة بأن المجتمع الدولي لم يعد مستعداً للتغاضي عن أي دور يُشتبه في تغذيته للصراعات المسلحة، وأن مرحلة جديدة قد تبدأ عنوانها تقليص النفوذ القائم على الأذرع المسلحة.

غير أن الحديث عن “شرق أوسط جديد” يتجاوز البعد العسكري. فإعادة تشكيل المنطقة لا تتحقق بالضربات وحدها، بل بإرساء معادلة تقوم على احترام سيادة الدول، وتعزيز الحلول السياسية، وبناء دول قوية بمؤسساتها لا بميليشياتها. فالاستقرار المستدام يتطلب معالجة الجذور الفكرية والسياسية التي تغذي التطرف، إلى جانب تجفيف مصادر تمويله وتسليحه.

إن مكافحة الإرهاب تظل هدفاً مشروعاً وضرورة إنسانية، لكن نجاحها يقاس بقدرتها على حماية المدنيين، وترسيخ دولة القانون، ومنع توظيف الدين أو الأيديولوجيا كأدوات للهيمنة والصراع. فالدين، في جوهره، دعوة إلى الرحمة والعدل، وأي استخدام له لتبرير العنف يمثل تشويهاً لقيمه قبل أن يكون تهديداً للأمن.

وفي نهاية المطاف، يبقى التحدي الأكبر أمام المنطقة هو الانتقال من منطق الصراع بالوكالة إلى منطق الدولة الوطنية المستقرة. شرق أوسط أكثر أمناً لن يُبنى على أنقاض الآخرين، بل على تفاهمات إقليمية تضع حدّاً لدورات العنف، وتفتح المجال أمام التنمية والتعاون. فالقوة قد تغيّر الموازين، لكنها وحدها لا تصنع السلام؛ السلام تصنعه إرادة سياسية تعترف بأن الاستقرار مصلحة مشتركة، وأن أمن الشعوب لا يتحقق إلا في ظل دول مسؤولة، خالية من منطق الميليشيات ومن خطاب الكراهية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!