
خضر كوة
في قلب الأزمة السودانية الحالية، يظهر تهديد مزدوج لوحدة البلاد: داخليًا، عبر سيطرة الجيش الأيديولوجي على الدولة، وخارجيًا، عبر تدخلات إقليمية ودولية تُغذي الصراع باسم الاستقرار أو الدفاع عن “وحدة السودان”. هذا الجيش، الذي شكّلته الحركة الإسلامية على مدى عقود، لم يعد يمثل الأمن الوطني، بل أصبح أداة لتحقيق مصالح حزبية وأجندات خارجية، ويقف حجر عثرة أمام بناء دولة مدنية ديمقراطية، تحترم الحقوق والمواطنة المتساوية لكل السودانيين.
إن دستور حكومة التأسيس السودانية يؤكد على وحدة حقيقية تقوم على المواطنة والعدالة، الدولة المدنية العلمانية، وحقوق التمثيل والتنظيم لكل المواطنين دون تمييز. هذه الوحدة ليست شعارًا يُرفع لتغطية مصالح خاصة، ولا يمكن حمايتها بالدبابات أو الوصاية الخارجية، ولا عبر إعادة إنتاج جيش أيديولوجي دمّر الدولة وقاد البلاد إلى سلسلة من الحروب والصراعات الداخلية.
ما يزيد المأزق تعقيدًا هو استخدام شعارات الوحدة من قبل أطراف إقليمية، وعلى رأسها النظام المصري، لتغطية دعمها لجيش الحركة الإسلامية، الذي بقي منذ تأسيسه أداة تنفيذية لمشاريع خارجية، وليس إرادة الشعب السوداني. السعي لإحياء اتفاقات دفاع مشترك أُلغي في عام 1986 ليس محاولة لحماية السودان، بل لإضفاء غطاء سياسي وعسكري على استمرار سلطة هذا الجيش بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان.
وتكشف الوقائع عن شبكة دعم خارجي معقدة تصل عبر إيران وتركيا، مرورًا بممرات مصر وإريتريا، لتوفير الأسلحة والتدريب والتمويل لجيش الحركة الإسلامية. هذا التدخل الإقليمي يحوّل السودان إلى ساحة صراع بالوكالة، ويطيل أمد الحرب، ويزيد من معاناة الشعب، ويقوض أي أفق لبناء دولة مدنية موحدة قادرة على حماية حقوق مواطنيها.
وفي هذا السياق، يصبح الاتحاد الإفريقي مطالبًا بموقف واضح وحازم. لم يعد الصمت مقبولًا أمام الدعم الخارجي المستمر للجيش الأيديولوجي، وكل أشكال التواطؤ الإقليمي التي تغذّي الحرب باسم “الاستقرار” أو “الوحدة”. فحماية السودان الحقيقي تتطلب الدفاع عن دستور مدني، وسلطة تأسيسية، وإرادة شعبية حرة، وليس الاعتماد على قوات مسلحة أو تدخلات خارجية.
الرسالة واضحة: كل من يدعم جيش الحركة الإسلامية، مهما كانت المبررات، لا يدعم وحدة السودان، بل يساهم في تفكيكه، وإطالة أمد المعاناة، وإفشال أي مشروع دولة جديدة. السودان الجديد قادم بدولة مواطنة، لا دولة عسكرية، ولا دولة إسلام سياسي، ولا دولة بالوكالة.
وحدة السودان ليست مجرد شعار يُرفع على الورق، بل خيار الشعب، إرادته، ودستوره. هي ليست ورقة بيد الخارج، ولا غطاءً لحماية مليشيا أيديولوجية. إنها حق السودانيين في دولة عادلة، متساوية، وقادرة على الوفاء بوعود الثورة وبناء مستقبل حر وسلمي لجميع أبنائها.




