رأي

وسط دارفور بين قرار السلطان وسؤال القيادة الغائبة

علي ابراهيم .. زالنجي

 

علي ابراهيم .. زالنجي

قرار سلطان دارفور بتجريد حسين محمد أبكر “كوسودورو” من صفاته التمثيلية لم يكن مجرد إجراء تنظيمي داخل بيت الإدارة الأهلية؛ لقد كان صفعة سياسية أعادت فتح ملف القيادة في ولاية وسط دارفور بأكمله. فالقرار، في جوهره، لم يُعد فقط ترتيب العلاقة بين السلطنة والإدارة الأهلية، بل سلّط الضوء على فراغ أعمق تعيشه الولاية: فراغ القيادة السياسية والعسكرية القادرة على الإمساك بخيوط المشهد المتشظي.

المشكلة في وسط دارفور لم تعد خلافاً حول اسمٍ أو منصب، بل أصبحت أزمة ثقة عامة. فحين تنشأ ازدواجية في التمثيل، ويُعلن تشكيل مكتب تنفيذي ثم يُسحب الاعتراف به بقرار سلطاني، فإن ذلك يكشف عن هشاشة في بنية التنسيق بين المرجعيات الأهلية والسلطات الرسمية. وهذا النوع من الارتباك لا ينشأ في فراغ، بل في بيئة قيادية ضعيفة عاجزة عن إدارة التوازنات بحكمة وشفافية.

الشارع في الولاية لا يتحدث فقط عن خلافات الإدارة الأهلية، بل يتداول – همساً وجهراً – تساؤلات حول أداء القيادة السياسية ممثلة في رئاسة الإدارة المدنية. هناك شعور واسع بأن المؤسسة التنفيذية في الولاية لم ترتقِ إلى مستوى التحديات، وأن حالة التردد وضعف الحسم سمحت بتراكم الأزمات بدل احتوائها. في بيئة خارجة من صراع، القيادة ليست وظيفة بروتوكولية؛ إنها مسؤولية تاريخية تتطلب وضوح رؤية وقدرة على اتخاذ قرارات جريئة تعيد الثقة للناس.

الأمر لا يقف عند الإدارة المدنية وحدها. فالمزاج العام يعكس أيضاً تساؤلات حول الأداء العسكري، ودور قيادة الفرقة في فرض الاستقرار ومنع الانزلاق إلى صراعات داخلية. حين تتسع الفجوة بين المواطن ومؤسسات الأمن، يصبح أي احتكاك اجتماعي قابلاً للاشتعال. والولاية، بما تحمله من إرث توترات وتعقيدات قبلية، لا تحتمل قيادة مترددة أو مشغولة بحسابات ضيقة.

قرار السلطان أعاد الاعتبار للمرجعية التاريخية، لكنه في الوقت ذاته عرّى عجز المنظومة الرسمية عن إدارة الملف بحسم مبكر. لو كانت هناك قيادة سياسية قوية، لما وصلت الأمور إلى مرحلة إعلان تشكيل ثم إعلان تجريد. ولو كان التنسيق محكماً بين الإدارة المدنية والمرجعية السلطانية، لما ظهرت صورة التنازع أمام الرأي العام.

إن أخطر ما يواجه وسط دارفور اليوم ليس الخلاف حول شخص، بل استمرار حالة “القيادة المؤقتة” التي تطيل عمر الأزمات. المجتمعات الخارجة من النزاع تحتاج إلى وجوه قادرة على الجمع لا التفريق، وعلى صناعة التوافق لا إدارة الانقسام. أما بقاء الوضع كما هو، فإنه يرسل رسالة سلبية مفادها أن الجمود أقوى من التغيير.

الضرورة الآن لا تتعلق بإعادة توزيع المناصب بقدر ما تتعلق بإعادة تعريف معايير القيادة. المطلوب عناصر تمتلك الكفاءة المهنية، والنزاهة المعروفة، والقدرة على التواصل مع كل المكونات دون انحياز. عناصر تستطيع أن تدير التنافس داخل البيت الأهلي بحكمة، وأن تُطمئن الشارع بأن مؤسسات الدولة ليست ساحة صراع نفوذ بل مظلة استقرار.

التغيير ليس ترفاً سياسياً، بل أداة وقائية. حين تتزايد الأحاديث عن ضعف الأداء، وحين يشعر المواطن أن صوته لا يصل، يصبح الإصلاح ضرورة قبل أن يتحول الاحتقان إلى واقع. إعادة النظر في قيادة الإدارة المدنية، وكذلك في القيادة العسكرية، قد تكون خطوة شجاعة تعيد الثقة وتمنح الولاية فرصة لالتقاط أنفاسها.

وسط دارفور لا ينقصها الرجال ولا الكفاءات. لكنها تحتاج إلى إرادة سياسية تعترف بأن المرحلة الاستثنائية تتطلب حلولاً استثنائية. الإبقاء على منظومة تواجه انتقادات واسعة لا يخدم الاستقرار، بل يكرّس الشعور بأن لا أحد يصغي.

قرار السلطان فتح الباب. والسؤال الآن: هل تجرؤ حكومة المرحلة القادمة على عبوره؟ هل ستتعامل مع الإشارات القادمة من الشارع باعتبارها إنذاراً مبكراً، أم ستنتظر حتى تتراكم الأزمات؟ إن القيادة الحقيقية لا تُقاس بطول البقاء في المنصب، بل بقدرتها على مغادرة مواقعها حين يتطلب الموقف تجديد الدماء.

وسط دارفور أمام فرصة لإعادة ترتيب بيتها الداخلي: تثبيت المرجعية الأهلية، إصلاح القيادة المدنية، وتعزيز الأداء العسكري بمهنية عالية. وإذا لم تُستثمر هذه اللحظة، فإن الولاية ستظل تدور في حلقة مفرغة من التنافس والاحتقان.

المرحلة تتطلب شجاعة قرار، لا إدارة أزمة. وتتطلب قادة يصنعون الثقة، لا ينتظرونها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!