رأي

مهرجان عبث الفلول القضائي “ومفارقات” مناهضة التدويل ورفض بعثة تقصي الحقائق الدولية..!!

مهدي عبدالله حامد

 

مهدي عبدالله حامد 

مما لا شك فيه أن العدالة تظل الجوهر الأسمى والأرفع لشرعية أي نظام سياسي كان، وهي الركيزة الدستورية الأساسية التي لا يستقيم بنيان الدولة بدونها، ومن المسلم به أن توظيف القانون كأداة بطش سياسي يمثل الردة الكبرى عن مواثيق حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، وفي ظل هكذا أوضاع خرجت علينا ما يسمى بـ “اللجنة الوطنية للتحقيق في جرائم وانتهاكات القانون الوطني والقانون الدولي الإنساني” برئاسة المدعوة انتصار أحمد عبدالعال النائب العام لمليشيا بورتسودان، ضمن عملية لا يعدو كونها محاولة بائسة لشرعنة سلطة أمر واقع تفتقر إلى التفويض الشعبي والدستوري، ولئن كان القضاء في النظم الديمقراطية يمثل حصنا للمستضعفين، فإنه في نموذج بورتسودان أضحى درعا لحماية القتلة، ووسيلة لتصفية الخصومة السياسية عبر صناعة مسرحية البلاغات الكيدية التي ظلت تستخدمها أنظمة الخرطوم باستمرارية.

وبما أنُ إعلان هذه اللجنة عن نقل مقرها الدائم إلى ولاية الخرطوم وعقد اجتماعها الأول يوم 14 مايو 2026م يأتي في سياق محاولة إثبات فاعلية ميدانية متوهمة، وكما إن الهلع القانوني الذي صاحب تكوينها وأهدافها يجرّدها من أي مشروعية إجرائية أو موضوعية، على غرار ما جاء في القول المأثور “لا يصلح العطار ما أفسده الدهر” وهذا ينطبق تماما على هذه المنظومة المتهالكة التي تحاول غسل دماء الأبرياء بحبر القرارات المسيسة وهم “يبكون على جرحٍ أصاب أصبعهم، ويصمتون أمام دماء ملايين الأبرياء التي تسيل أنهارا”.

الأرقام الانتقائية وفضيحة المحاكمات الغيابية

فقد انعقد اجتماع اللجنة المذكورة في الخرطوم ليعلن عن تقييد ما يزيد عن (188) ألف دعوى جنائية، في استعراض رقمي يهدف إلى إبهار المراقب الدولي وتزييف الواقع الميداني، لينطبق عليهم القول “من زاد في خطبته، نقص من حيلته” بيد أن الشياطين تكمن في تفاصيل هذه الإحصائيات الفاضحة، إذ تم توجيه نحو 12,400 بلاغ ضد قوات الدعم السريع، وفي المقابل قُيدت 366 دعوى فقط ضد منتسبي ميليشيا البرهان، حِينَ تَرْتَدِي العِصابةُ ثَوْبَ القُضاة، يُصبِحُ الـمَظلومُ هُوَ الـمُدان بِالحَيَاة”

علاوة على ذلك، فإن هذا التفاوت الصارخ يعكس انتقائية فجة، كما لو أن الطائرات التي براميلها المتفجرة تحرق المدن، والمدافع التي تدك المستشفيات، تتبع لجهة ملائكية لا تطالها يد القانون، وخلافا لما سبق من ادعاءات النزاهة، تباشر اللجنة إجراءات قانونية لمحاكمة قيادات الدعم السريع غيابيا بتهم تقويض النظام الدستوري وإثارة الحرب، وهي تهم تثير السخرية السياسية والقانونية معا، فلا ريب أن من قوض النظام الدستوري حقا هو من انقلب على الوثيقة الدستورية ورفض الاتفاق الإطاري، وأشعل فتيل الحرب للحفاظ على امتيازات النظام البائد، وكما إن المحاكمات الغيابية في هذا السياق ليست سوى تصفية حسابات سياسية بغطاء قضائي مهترئ، مما يترتب عليه سقوط الأهلية القانونية لهذه اللجنة، التي تحولت إلى ذراع بروباغندا عسكرية تفصل الأحكام على مقاس أماني الجنرالات المتوهمة.

تناقضات لجنة تحقيق الفلول المضحكة

البيحش في غياب سيد الزرع حرامي وسارق” إذن، فكيف لمن تلوثت أيديه بدماء السودانيين عبر العقود، وعاث في الأرض فسادا وظلما، أن يتحدث اليوم عن القانون الدولي الإنساني…؟

عجبا لمن يغسل ثوبه بالدم، ويدعي الطهارة” إنها المفارقة الصارخة التي تجسدها لجنة الفلول في بورتسودان

وهنا نتساءل باستنكار …؟

أليست عصابة بورتسودان هي من ارتكب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد المدنيين ..؟

ألم تكن مليشيا جيش النظام البائد هي من قصف المستشفيات والمرافق المدنية، وهي من قام بتدمير وحرق الفرقان والبوداي والقرى والمدن والأسواق ومحطات المياه بالبراميل المتفجرة عبر الطائرات الحربية ومسيرات الأكانجي التركية ومهاجر الإيرانية

أليس هي من استخدم السلاح الكيمياوي ضد المدنيين الأبرياء،

إضافة إلى ذلك ألم توجد ضدهم جرائم موثقة وببلاغات جنائية مدونة ومطالبات دولية صريحة، لمثول قادة النظام البائد أمام المحكمة الجنائية الدولية.

لكن وعلى الرغم من كل ذلك…!!!

أن المفارقة الصادمة تتبدى اليوم في حديث هذه اللجنة عن “الرفض القاطع لتوسيع التفويض الدولي” والتمسك الأعمى بمبدأ “التكاملية القانونية” ومناهضة “تدويل التحقيقات” صدقا، إن التشدق بالسيادة الوطنية هنا ليس إلا درعا لحماية المجرمين من الملاحقة الدولية، ونظير ذلك نجد أن الأنظمة الديكتاتورية دائما ما تختبئ خلف شعار السيادة ريثما تفرغ من إبادة شعوبها.

و يضاف إلي ما سبق، أن مبدأ التكاملية القانونية يشترط رغبة وقدرة القضاء الوطني على تحقيق العدالة،

ولكن…!!!

وعلى النقيض من ذلك، نجد قضاء بورتسودان غير راغب وغير قادر، بل هو شريك أصيل في الانتهاكات ولم يتطرق إلي مجازر كنابي الجزيرة وبقر البطون وجز الروؤس والإعدامات بقانون الوجوه الغريبة، ببساطة شديدة لأنه قضاء هو النظام البائد يا سادة …!!!

فهو الخصم والحكم فلا عجب في ذلك البتة…!!!

مناهضة التدويل وفوبيا بعثة تقصي الحقائق الدولية

في مفارقة فاضحة وخطوة مضحكة ومبكية، لقد طالبت هذه اللجنة بإنهاء تفويض بعثة تقصي الحقائق الدولية الصادرة عن مجلس حقوق الإنسان، زاعمة أن هذا الرفض يأتي في إطار التمسك بالسيادة الوطنية، حقا، إن هذا الموقف يمثل اعترافا ضمنيا بالخوف من العدالة الدولية الناجزة التي لا تخضع للتدخلات السياسية المنحازة، وبمثل ما تحاول هذه العصابة حجب الحقائق في ولايات الخرطوم والجزيرة ودارفور وكردفان، فإنها تسعى لقطع الطريق أمام أي تحقيق دولي مستقل يمكن أن يكشف عن التهجير القسري، والعنف الجنسي، والتطهير العرقي الذي مارسته آلتها العسكرية، وما لبث أن انكشف القناع عن هذه اللجنة عندما حددت “نطاق تحقيقها” الميداني، متجاهلة الجرائم الموثقة ضد طيران البرهان وميليشياته الإسلامية، يُحتمل أن تظن اللجنة أن نقل مقرها للخرطوم سيعطيها مشروعية دولية، بيد أن الواقع يؤكد أن هذه التحركات لن تغير من حقيقة أنها أداة لعرقلة العدالة، بالتالي، فإن مناهضة التدويل ليست دفاعا عن الوطن، وإنما هي دفاع عن كراسي الحكم المحاطة بجماجم الأبرياء، مما يؤدي بالضرورة إلى تعميق العزلة الدولية لخاطفي الدولة في بورتسودان.

حتمية العدالة الدولية تسقط مسرحيات بورتسودان

تتحطم محاولات تزييف الحقائق التاريخية دائمًا على صخرة العدالة الدولية، إذ تشهد الساحة السودانية اليوم فصلا جديدا من فصول المسرحيات الهزلية التي تديرها ما تسمى بـ “اللجنة الوطنية للتحقيق في جرائم وانتهاكات القانون الوطني والقانون الدولي الإنساني” فهذه اللجنة التي تترأسها انتصار أحمد عبدالعال، تعمل كواجهة قانونية لشرعنة انتهاكات النظام البائد وعصابة بورتسودان عبر استخدام القضاء كأداة لتصفية الحسابات السياسية وحماية المجرمين فلن يغير هذا الإجراء من حقيقة الواقع شيئاً ولقد أثبتت التجارب الإنسانية أن تسييس العدالة المحلية يسقط سريعا أمام معايير النزاهة الدولية.

فالأمر المضحك يتمثل في في محاولة عصابة بورتسودان من خلال هذه اللجان الصورية تبرئة ساحتها وصناعة تقارير مفبركة تخدم أجندتها الحربية وهذا السلوك يعكس حالة من الذعر الأخلاقي والسياسي الذي يعيشه النظام البائد، لأن العدالة لا يمكن أن تتحقق بواسطة قضاة يأتمرون بأمر ميليشيات حركت السلاح ضد مواطنيها وإن سقوط هذه المسرحية مسألة وقت فقط لعدة أسباب جوهرية

الرقابة الدولية: توثق المنظمات الحقوقية الأممية تفاصيل الانتهاكات بأساليب علمية ومحايدة

غياب الشرعية: تفتقر لجنة بورتسودان إلى الاستقلالية والنزاهة المطلوبة محليا ودوليا

إرادة الشعوب: لن تقبل الضحايا مقايضة دماء الأبرياء بتقارير تخرج من غرف مغلقة.

ملاحقة الجنائية: تظل المحكمة الجنائية الدولية والآليات العدلية العالمية بالمرصاد لكل منتهكي حقوق الإنسان ولن تحمي الحصانات الزائفة ولا اللجان الموجهة مجرمي الحرب من دفع الثمن.

وكما إن حتمية العدالة الدولية قادمة لتفكيك شبكات الفساد والقتل، وإرساء دولة القانون الحقيقية مهما تطاولت سنوات الظلم وظن الطغاة أنهم بمنأى عن الحساب، فإن التاريخ يكتب فصوله الأخيرة بانتصار الحق وعودة الحقوق لأصحابها.

والـ 188 الف بلاغ ليست سوى ملهاة بائسة في مهرجان الخرطوم القضائي، وقطعا، لن تفلح محاولات التغطية على جرائم السلاح الكيماوي وتدمير البنى التحتية عبر شعارات السيادة الزائفة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!