
سمية النور دهب
لم تكن تصريحات جبريل إبراهيم الأخيرة مجرد قراءة سياسية متفائلة لمسار الحرب، بل بدت أقرب إلى محاولة لإعادة صياغة الواقع وفق سردية لا تصمد أمام الوقائع الميدانية. فالرجل تحدث بثقة عن اقتراب الحسم، وقلّل من جدوى أي هدنة لا تفضي إلى “سلام كامل”، وكأن المشهد العسكري يسير في اتجاه واحد محسوم، بينما تشير معطيات الأرض إلى صورة أكثر تعقيداً وتشابكاً.
الحقيقة التي لا يمكن القفز فوقها أن خريطة السيطرة الحالية لا تعكس الرواية التي حاول تقديمها. فدارفور، بكل ثقلها الجغرافي والاستراتيجي، خارج سيطرة السلطة التي يدافع عنها، وتمتد رقعة نفوذ قوات الدعم السريع إلى مساحات واسعة من كردفان، إضافة إلى وجودها في أجزاء من النيل الأزرق والمثلث الحدودي، ووصولها إلى تخوم أم درمان. هذه ليست تفاصيل هامشية يمكن تجاوزها بخطاب تعبوي، بل معطيات جوهرية تحدد ميزان القوى الحقيقي على الأرض.
الحديث عن “زحف” وشيك أو “تحرير” قريب في ظل هذا الواقع يبدو أقرب إلى رفع معنويات سياسية منه إلى توصيف عسكري موضوعي. والمشكلة لا تكمن في التفاؤل ذاته، بل في الإصرار على تسويق صورة مغايرة لما يراه المواطن يومياً من اتساع رقعة القتال واستمرار المعاناة الإنسانية والانهيار الاقتصادي.
أما رفض أي هدنة لا تحقق تسوية نهائية، فيثير تساؤلات عميقة حول الأولويات. فالحروب لا تُدار بالشعارات، بل بحسابات الكلفة والنتيجة. وكل يوم إضافي من القتال يعني مزيداً من النزوح والدمار وتآكل ما تبقى من مؤسسات الدولة. الإصرار على خطاب “الحسم الكامل” دون امتلاك أدواته الواقعية يطيل أمد المأساة، ولا يقرب البلاد من الاستقرار.
وفي ما يتعلق بإعادة الإعمار، فإن الحديث عن مشاريع طرق وموانئ وسكك حديدية بينما تتوسع رقعة الاشتباكات، يطرح مفارقة صارخة. فلا يمكن بناء دولة فوق أرض لا تزال ساحة معركة. إعادة الإعمار ليست خطة هندسية فقط، بل نتيجة طبيعية لوقف الحرب أولاً وتثبيت الاستقرار السياسي والأمني.
الأخطر في التصريحات هو التقليل من تعقيدات المشهد في دارفور وكردفان، وكأن الأمر مجرد جيوب محدودة يمكن احتواؤها سريعاً. هذا التبسيط لا يخدم الحقيقة، بل يعمّق الفجوة بين الخطاب والواقع، ويعيد إنتاج نمط من الرسائل السياسية التي درجت عليها سلطة بورتسودان، والتي كثيراً ما وُصفت بأنها غير واقعية وتفتقر إلى المصداقية.
السودان اليوم لا يحتاج إلى إعادة تدوير سرديات متفائلة، بل إلى مصارحة شجاعة تعترف بحجم الأزمة وتبحث عن مخرج عملي لها. فالوقائع لا تتبدل بالتصريحات، وخريطة الميدان لا يعاد رسمها بالكلمات. وحدها القراءة الواقعية لموازين القوى، مقرونة بإرادة سياسية حقيقية لوقف النزيف، يمكن أن تفتح باباً نحو نهاية هذه الحرب.




