
دارالسلام وداعة 8 مارس 2026
في كل عام، يحلّ الثامن من مارس ليذكر العالم بنضالات النساء من أجل الحرية والكرامة والمساواة. لكن بالنسبة للمرأة السودانية، فإن هذا اليوم لا يأتي هذا العام محملاً بالاحتفال، بل مثقلاً بأسئلة العدالة والنجاة والإنصاف في ظل حرب قاسية تمزق البلاد منذ أكثر من ثلاثة اعوام .
في السودان اليوم، ليست الحرب مجرد مواجهة عسكرية بين أطرافها ؛ إنها كارثة إنسانية عميقة دفعت النساء ثمنها الأكبر والأقسى. فالمرأة السودانية لم تكن طرفاً في إشعال هذه الحرب، لكنها تحمّلت عبئها الكامل: فقدان الأمان وتشظي الأسرة والنزوح القسري والعنف وانهيار سبل العيش.
لقد تحولت ملايين النساء إلى معيلات لأسرهن بعد أن فقدن الأزواج أو الآباء أو مصادر الدخل. كثيرات وجدن أنفسهن فجأة في مواجهة مسؤوليات الحياة وحدهن في مخيمات النزوح أو في مدن غريبة أو عبر الحدود.
وفي الوقت الذي تنهار فيه المؤسسات الصحية والتعليمية والخدمات الأساسية، تصبح النساء هن من يحملن عبء حماية الأطفال ورعاية المرضى والحفاظ على ما تبقى من تماسك إجتماعي.
الحرب لا تُقاس فقط بعدد الضحايا في ساحات القتال، بل أيضاً بما تخلّفه من جروحٍ صامتة في حياة النساء والفتيات الطفلات. فمع اتساع رقعة النزوح و اللجوووووء والفوضى الأمنية، تتزايد مخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي والاستغلال وزواج القاصرات والحرمان من التعليم والرعاية الصحية. هذه الانتهاكات ليست مجرد آثار جانبية للحرب، بل تعبير عن هشاشة منظومة الحماية وغياب العدالة.
ومع ذلك، فإن الصورة لا تكتمل إذا اختُزلت المرأة السودانية في دور الضحية وحده.
فالمرأة في السودان اليوم ليست فقط من تدفع ثمن الحرب، بل هي أيضاً من تحاول يومياً ترميم ما دمّرته. في الأحياء ومخيمات النزوح والمبادرات الشعبية، تقود النساء شبكات التضامن وتنظم العمل الإنساني وتوفر الغذاء والرعاية وتحافظ على الحد الأدنى من الحياة وسط الخراب.
لقد كانت المرأة السودانية، عبر تاريخها الحديث، في قلب كل لحظات التحول الوطني؛ من النضال ضد الدكتاتوريات، إلى قيادة الحراك الشعبي، إلى الدفاع عن قيم الحرية والعدالة. واليوم، رغم الحرب والتشريد، لا تزال النساء يقفن في الصفوف الأمامية للحفاظ على المجتمع ومنع انهياره الكامل.
لكن المفارقة المؤلمة أن النساء اللواتي يحملن المجتمع على أكتافهن في زمن الأزمات، غالباً ما يتم استبعادهن من طاولات اتخاذ القرار عندما يبدأ الحديث عن السياسة والسلام.
إن أي عملية سياسية جادة لإنهاء الحرب في السودان لن تكون عادلة أو مستدامة إذا استمرت في تجاهل النساء. فالسلام الذي يُصاغ دون مشاركة النساء هو سلام ناقص، لأن النساء لسن فقط ضحايا للحرب، بل صاحبات مصلحة أساسية في إنهائها وبناء مستقبل مختلف.
إن تمكين المرأة السودانية ليس قضية رمزية أو مطلباً نخبوياً، بل ضرورة وطنية لبناء دولة عادلة ومستقرة. ويتطلب ذلك إشراك النساء بفاعلية في عمليات السلام والوساطة وصياغة الدساتير وإعادة بناء المؤسسات وضمان العدالة للضحايا ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
وفي هذا اليوم العالمي للمرأة، فإن الرسالة التي يجب أن يسمعها العالم بوضوح هي أن النساء السودانيات لا يطلبن الشفقة، بل يطالبن بالعدالة. لا يردن موقعاً هامشياً في مستقبل السودان، بل دوراً كاملاً في صناعته.
لقد أثبتت المرأة السودانية مراراً أنها قادرة على الصمود في أقسى الظروف وعلى تحويل الألم إلى قوة والانكسار إلى بداية جديدة. ورغم كل ما حدث ويحدث، فإن إيمان النساء بالسودان الذي يستحقه شعبه لم ينكسر.
قد تكون الحرب قد دمّرت الكثير، لكنها لم تكسر إرادة النساء.
ولهذا، فإن الطريق إلى سودانٍ يسوده السلام والحرية والعدالة لا يمكن أن يُبنى إلا بأصوات النساء وبقيادتهن وباعترافٍ صريح بدورهن في حماية المجتمع وصناعة المستقبل.
فالمرأة السودانية لم تكن يوماً على هامش التاريخ…
بل كانت دائماً في قلبه.




