
يعقوب التجاني المحامي
يُحسب للأستاذ نجم الدين دريسة أنه وضع إصبعه على أكثر الأسئلة إلحاحًا في اللحظة السياسية الراهنة، حين طرح تساؤله الجوهري حول طبيعة مشروع “تأسيس”: هل نحن إزاء محاولة جادة لبناء الدولة، أم أمام إعادة تدويرٍ للنموذج القديم في صيغة مغايرة؟ وهو سؤال يتجاوز حدود النقد السياسي إلى تفكيك مأزق بنيوي يواجه أي مشروع انتقالي لا يستند إلى شرعية واضحة ومؤسسات مكتملة.
من منظور قانوني، يكتسب هذا الطرح وجاهته من اتساقه مع المعايير الدستورية الحاكمة للفترات الانتقالية. فالمؤشرات التي أوردها الكاتب لا يمكن التعامل معها باعتبارها ملاحظات عابرة، بل هي علامات إنذار مبكر على تعثر التحول المؤسسي. إذ يبرز غياب التنفيذ الفعلي لبنود الدستور الانتقالي، وعدم اكتمال هياكل السلطات الثلاث – التنفيذية والتشريعية والقضائية – بوصفه خللًا جوهريًا يفرغ المشروع من مضمونه. فهذه السلطات ليست ترفًا مؤسسيًا، بل هي الأداة الحاكمة لإنفاذ مهام المرحلة الانتقالية وضمان توازن السلطة.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في إعلان مشروع جديد، بل في الأدوات التي يُدار بها. فإعادة تدوير الدولة القديمة لا تعني بالضرورة عودة ذات الوجوه، بل تعني استمرار ذات البنية: مركزية القرار، وغياب المؤسسات، وتهميش الأجهزة الرقابية، وإدارة الشأن العام خارج الأطر الدستورية. وعندما تُترك هذه الثغرات دون معالجة، يتحول أي مشروع تأسيسي إلى امتداد وظيفي للنموذج الذي يدّعي تجاوزه، لا قطيعة معه.
وهنا يكتسب عنوان المقال بعدًا أكثر خطورة: هل نحن أمام مشروع أم مغامرة؟ فالمسألة لم تعد نقاشًا نظريًا، بل سؤالًا عن طبيعة المسار ذاته. إذ إن أي مشروع لا يؤسس لمؤسساته وفق الدستور، ولا يخضع لرقابة برلمانية فعالة، يظل عرضة للانحراف وإساءة استخدام السلطة. وعند اجتماع غياب المؤسسات مع غياب الرقابة، يصبح توصيف “المغامرة السياسية” أقرب إلى الواقع من كونه مجازًا.
تميّز مقال دريسة بقوة تشخيصه وربطه الذكي بين النصوص والواقع، فضلًا عن تحذيره المبكر من إعادة إنتاج الأزمة بدلًا من حلها. غير أن أخطر ما أشار إليه يتمثل في “شرعنة الفراغ”، حيث يتحول غياب المؤسسات إلى وضع طبيعي مقبول، فتُدار السلطة خارج الأطر المؤسسية، وتفقد الدولة معناها الحقيقي.
إن تحالف “تأسيس” يقف اليوم أمام مفترق حاسم: إما الانتقال إلى مشروع تأسيسي حقيقي عبر استكمال هياكل الدولة وتفعيل الرقابة، أو الانزلاق إلى إعادة إنتاج الأزمة. فالمشاريع لا تُقاس بما تعلنه، بل بما تُنجزه من مؤسسات.
والرسالة الأوضح: إن الإجابة على سؤال التأسيس لا تكون بالخطاب، بل بالفعل. فالتاريخ لا ينتظر، والشرعية لا تُمنح لمن يتردد في بنائها.




