رأي

السودان بين الدولة المختطفة والجيش المؤدلج

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

يمكنك خداع بعض الناس بعض الوقت، لكن لا يمكنك خداع كل الناس كل الوقت

في السياسة، قد ينجح البعض في إخفاء الحقائق لفترة محدودة، لكن الوقائع الكبيرة تظل عصية على الدفن. فهي مثل النار تحت الرماد؛ قد تخبو للحظات، لكنها لا تلبث أن تشتعل من جديد كلما هبّت عليها رياح الحقيقة. وهذا ما يحدث اليوم في السودان، حيث تتكشف يوماً بعد آخر حقيقة العلاقة العميقة بين جماعة الإخوان المسلمين والمؤسسة العسكرية التي يفترض أنها مؤسسة وطنية جامعة لكل السودانيين.

لقد بات واضحاً أن الجيش السوداني لم يعد مجرد مؤسسة عسكرية تقليدية تقف على مسافة واحدة من الجميع، بل تحول عبر عقود طويلة إلى مؤسسة اخترقتها جماعة الإخوان المسلمين بعمق، حتى أصبح نفوذها جزءاً من بنيته الداخلية. فمنذ انقلاب عام 1989، لم يكن مشروع الإسلاميين مجرد سيطرة على السلطة السياسية، بل كان مشروعاً متكاملاً لإعادة تشكيل الدولة ومؤسساتها وفق رؤية أيديولوجية محددة.

في إطار ذلك المشروع جرى تنفيذ ما عُرف بسياسة “التمكين”، وهي عملية منظمة هدفت إلى إحلال عناصر الحركة الإسلامية داخل مفاصل الدولة المختلفة، وعلى رأسها المؤسسات الأمنية والعسكرية. لم يكن الأمر مجرد تعيينات إدارية عابرة، بل إعادة هندسة كاملة لمراكز النفوذ داخل الدولة لضمان استمرار السيطرة السياسية لعقود طويلة.

وسط هذه المعادلة يقف الفريق عبد الفتاح البرهان، الذي يحاول في أكثر من مناسبة أن ينأى بنفسه عن الانتماء للحركة الإسلامية. غير أن هذا النفي المتكرر يواجه دائماً بسؤال بسيط ومباشر: كيف يمكن لقائد عسكري صعد داخل منظومة تشكلت بالكامل في ظل حكم الإسلاميين أن يدّعي القطيعة التامة مع تلك البيئة السياسية؟

الواقع أن هذا الإنكار المستمر أصبح بدوره جزءاً من المشهد السياسي نفسه. فحين تتحول الحقيقة إلى عبء ثقيل، يلجأ البعض إلى إنكارها أملاً في تخفيف وطأتها. وهنا يستحضر السودانيون مثلهم الشعبي القديم: “الشينة منكورة”؛ أي أن ما يراه الناس قبيحاً أو محرجاً غالباً ما يسعى صاحبه إلى التنصل منه حتى لو كان واضحاً للعيان.

لكن المفارقة الأكبر أن المشهد لا يقتصر على حالة الإنكار فحسب، بل يتجاوزها إلى ظاهرة أكثر إثارة للدهشة. فمع تصاعد الضغوط السياسية والدولية، بدأ بعض رموز التيار الإسلاموي أنفسهم يقفزون من مركب جماعات الهوس الديني الذي ظلوا يقودونه لعقود. فجأة أصبح الخطاب يتغير، وبدأت كلمات مثل “الدولة الوطنية” و“الحياد المؤسسي” و“الفصل بين السياسة والعسكر” تتردد على ألسنة من كانوا حتى وقت قريب يدافعون عن مشروع التمكين بلا مواربة.

غير أن القفز من المركب بعد أن اقترب من الغرق لا يغير شيئاً من حقيقة الرحلة الطويلة التي خاضها أصحابه. فالدولة السودانية التي أعيد تشكيلها طوال ثلاثة عقود لم تكن مجرد إدارة سياسية عابرة، بل كانت مشروعاً أيديولوجياً كاملاً هدفه إعادة صياغة المجتمع والدولة معاً.

وفي قلب ذلك المشروع ظل الجيش يمثل الركيزة الأساسية. لم يكن مجرد مؤسسة دفاعية، بل كان الضامن الأكبر لبقاء النظام السياسي الذي بناه الإسلاميون. ولهذا فإن الحديث عن “حياد الجيش” أو “ابتعاده عن الأيديولوجيا” يظل حديثاً نظرياً ما لم تسبقه عملية عميقة لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس وطنية جديدة.

إن المشكلة التي يواجهها السودان اليوم ليست مجرد خلاف سياسي بين أطراف متنافسة على السلطة، بل أزمة بنيوية تتعلق بطبيعة الدولة نفسها. فحين تُختطف مؤسسة الجيش من قبل تنظيم سياسي أو أيديولوجي، فإن الدولة كلها تصبح رهينة لذلك الاختطاف.

وما يزيد المشهد تعقيداً أن هذا الاختطاف لم يحدث فجأة، بل تراكم عبر سنوات طويلة من إعادة تشكيل المؤسسات وبناء شبكات الولاء داخلها. ولذلك فإن الخروج من هذه الأزمة لا يمكن أن يتم عبر إنكار الماضي أو التنصل منه، بل عبر الاعتراف الصريح بحقائق الواقع والعمل على تفكيك البنية التي أنتجت هذا الوضع.

إن الدول لا تنهار فقط عندما تُهزم في الحروب، بل حين تتحول مؤسساتها إلى أدوات لخدمة تنظيم واحد بدلاً من خدمة المجتمع كله. وعندما يحدث ذلك، يصبح الإصلاح ضرورة تاريخية لا مجرد خيار سياسي.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يواجه السودان اليوم ليس ما إذا كان بعض القادة سينكرون انتماءاتهم السابقة، بل ما إذا كانت الدولة قادرة على استعادة مؤسساتها من قبضة الأيديولوجيا، وإعادة بناء جيش وطني يمثل السودان بكل تنوعه، لا مشروعاً سياسياً بعينه.

فالحقيقة في النهاية، مهما طال الزمن، لا يمكن إنكارها إلى الأبد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!