رأي

تأسيس السودان الجديد وتجاوز تحديات البناء

م.صديق أندر

 

 م.صديق أندر

يمر السودان اليوم بمرحلة “اللا دولة”، حيث تتهاوى ركائز المؤسسات العريقة تحت وطأة عقود من الفساد المستشري، والاستبداد المتجذر، والصراعات الإقليمية المدمرة. هذه الأزمة الوجودية، التي بلغت ذروتها باندلاع الحرب الراهنة، تفرض حتمية ميلاد دولة جديدة تستوفي مقومات البقاء والاستدامة. تقدم هذه الرؤية إطارًا شاملاً لتحليل التحديات الراهنة، وتطرح توصيات عملية لمرحلة التأسيس، مع تسليط الضوء على دور “تحالف التأسيس” كبارقة أمل، وإن كانت ضئيلة، لتحقيق هذا الحلم المنشود.

التحديات البنيوية الراهنة:

الانهيار المؤسسي الشامل: تشهد كافة المؤسسات المدنية والعسكرية تآكلاً غير مسبوق، نتيجة للفساد والمحسوبية المتجذرة لعقود طويلة. لقد عجزت هذه المؤسسات عن الوفاء بمهامها الأساسية، مما أفضى إلى فقدان تام لثقة المواطن.

أزمة الهوية والولاء في المؤسسة العسكرية: يعاني الجيش السوداني، بتأسيسه التاريخي المرتبط بقوى استعمارية (قوة دفاع السودان)، من غياب الولاء القومي والحياد، وظلت مهامه منحازة لمصالح خارجية. لقد أدت التدخلات الخارجية، لا سيما المصرية، في الشأن العسكري والسياسي السوداني، إلى انقلاب 1989، وانقلاب 2021، وحرب 15 أبريل 2023 المدمرة.

الفساد المستشري في أجهزة الخدمة المدنية والقضاء والأمن: لقد بلغ الفساد في الشرطة والأمن الوطني والأجهزة العدلية مستويات غير مسبوقة، حيث يضطر المواطن لدفع الرشاوى لإنجاز أبسط المعاملات، لا سيما في المحاكم التي تصدر أحكامًا مدفوعة الثمن. لقد تحول الفساد إلى سلوك طبيعي وغير مستنكر، نتيجة لثلاثين عامًا من حكم (حكومة الإنقاذ).

الرؤية التأسيسية الضرورية:

يتطلب التأسيس القويم “هدمًا وإعادة بناء” شاملة وفق أسس ومعايير جديدة. يجب أن ينظر “تحالف التأسيس” إلى المؤسسات القديمة باعتبارها كيانات فاسدة تستوجب الإزالة وإعادة التشييد من الصفر.

أولاً: الإصلاح العسكري والأمني الجذري:

التحرر من النفوذ الخارجي: تتطلب أولى مراحل الاستقلال التحرر المطلق من قبضة وسيطرة الدولة المصرية، العدو المتصل، وأي نفوذ أجنبي آخر.

مقترح: إطلاق مبادرة دبلوماسية إقليمية ودولية حازمة لضمان السيادة السودانية الكاملة ووقف التدخلات الخارجية بشكل قاطع.

بناء جيش وطني قومي احترافي: جيش تتركز مهامه الأساسية في الدفاع عن تراب الوطن وحماية النظام الديمقراطي المنتخب.

مقترح: تشكيل لجنة خبراء عسكرية وطنية ودولية لإعادة هيكلة الجيش السوداني من الأساس، بضوابط صارمة لضمان الولاء المطلق للوطن والحياد السياسي التام.

إعادة تأسيس الأجهزة الأمنية والشرطية وبناء الجهاز القضائي:

أجهزة أمن ومخابرات (شرطة وأمن) خاضعة لوزير الداخلية، تعمل بكفاءة ونزاهة لا تتزعزع.

بناء جهاز قضاء قوي من كوادر صلبة يطبق القانون على الوزير والغفير (فبصلاح القضاء تصلح بقية أجهزة الدولة).

مقترح: الاستعانة بخبرات خارجية: التعاقد مع بيوت خبرة وشركات أمنية دولية مؤهلة ونزيهة لتولي المهام الفضائية والأمنية مؤقتًا، ريثما يتم تأهيل الكادر الوطني الجديد.

عقوبات رادعة للفساد: سن قوانين صارمة لمكافحة الرشوة والمحسوبية والتسيب، تشمل السجن لمدة عامين والفصل الفوري من الخدمة بدون حقوق نهاية الخدمة لعناصر الأمن المرتشين. وتتضاعف العقوبة لموظفي السلك القضائي ومنفذي القانون من قضاة ومحامين و الموظفين في المحاكم والسجون.

إعادة تأهيل المرافق: إصلاح وتجهيز مرافق الدولة المتضررة بمعايير حديثة ومستدامة.

ثانياً: الإصلاح الإداري والوظيفي الشامل:

إعادة تأهيل الكادر الوظيفي: تقييم شامل للكادر القديم بناءً على المؤهل، والخبرة، والكفاءة، والنزاهة، والشفافية، وليس على الواسطة والمحسوبية.

مقترح: وضع برنامج تدريبي مكثف لإعادة تأهيل الموظفين المؤهلين، وفصل جميع الموظفين الذين تم تعيينهم أو ترقيتهم بناءً على الفساد والتمكين.

Siddig Ander 

sddgander@gmail.com 

١٧مارس ٢٠٢٦م

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!